محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٥٦ - المتبجّح بالمطل و خلف الوعد
و قال أحمد بن أبي طاهر:
قد كنت أنجز دهرا ما وعدت إلى # أن أتلف الدهر ما جمعت من نشب [١]
فإن أكن صرت في وعدي أخا كذب # فنصرة الصّدق أوفت بي إلى الكذب
الحثّ على المطل
قال أحمد بن علويه:
إذا شئت أن تبلي امرأ ببليّة # و تحرمه سيب العطايا السوابغ [٢]
فعده و ماطله فإنّك بالغ # به في الأذى و الضرّ أقصى المبالغ
و قال سهل بن هارون:
إن الضمير إذا سألتك حاجة # لأبي الهذيل خلاف ما أبدي
فامنحه روح اليأس ثم امدد له # حبل الرجاء بمخلف الوعد
حتّى إذا طالت شقاوة جدّه # بتردّد فاجبهه بالردّ [٣]
المتبجّح بالمطل و خلف الوعد
و قال أبو نواس:
و أشمط ولاّج إليّ و رائح # رجاء نوال لو أعان بجود [٤]
و إنّي و إياك القرينان نصطلي # من المطل نارا غير ذات خمود [٥]
فإن كنت لا عن سوء رأيك مقلعا # فدونك فاستظهر بنعل حديد
فعندي مطل لا يطير غرابه # عتيد و لا يدعى له بوليد [٦]
و قال الصّاحب:
و اللّه ما وافى بحق قاضيا # بل جاءني لمبرّتي متقاضيا
و المال في يومي تعذّر ورده # فليحضرني إن أراد القاضيا
كان محمد بن بشير ولي فارس، فأتاه شاعر فمدحه، فقال: أحسنت، و أقبل على كاتبه و قال: أعطه عشرة آلاف درهم، ففرح الشاعر، فقال: أراك قد طار بك الفرح بما أمرت لك يا غلام اجعله عشرين ألفا، فلما خرج، قال الكاتب: جعلت فداك هذا كان يرضيه اليسير فكيف أمرت له بهذا المال، فقال: ويحك و تريد أن تعطيه ذلك. إنما قال لنا
[١] النشب: المال الأصيل.
[٢] السيب: العطاء-السوابغ: الواسعة.
[٣] جدّه: حظّه.
[٤] الأشمط: من خالط بياض رأسه سواد-الولاّج: الكثير الولوج، الداخل.
[٥] غير ذات خمود: أي لا تنطفئ.
[٦] لا يطير غرابه: يعني أنه شاب و الشيب هنا للمطل-العتيد: المهيأ.