محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٢١ - المرء تابع لهمّته
الحدّ السابع في الهمم و الجدّ و الآمال
(١) فما جاء في الهمم الرفيعة و الوضيعة
مدح رفع الهمّة و الحثّ عليه
قيل: الهمة تلقح الجد العقيم، و قيل: الهمّة جناح الحظ، و قيل: لا تدور رحى الجدّ إلا بقطب الهمّة و قيمة كل امرئ همّته. و قال عمرو بن العاص: عليك بكل أمر فيه مزلقة و مهلكة أي بجسام الأمور.
قال عمر رضي اللّه عنه: لا تصغرن همّتك فإني لم أر أقعد بالرجل من سقوط همّته.
و قال: أحسن ما قال لبيد:
أكذّب النفس إذا حدثتها # إن صدق النفس يزري بالأمل [١]
و قيل: ثلاثة لا تدرك إلا برفع الهمة: عمل السلطان، و تجارة البحر، و مناجزة العدوّ.
قال ابن نباتة:
حاول جسيمات الأمور و لا تقل # إن المحامد و العلى أرزاق [٢]
و ارغب بنفسك أن تكون مقصّرا # عن غاية فيها الطّلاب سباق
المرء تابع لهمّته
المرء حيث يجعل نفسه: إن رفعها ارتفعت و إن قصر بها اتضعت. نظر رجل إلى برذون يستقى عليه، فقال: ما المرء إلا حيث يجعل نفسه لو هملج [٣] في سيره ما استقي عليه. قال شاعر:
و ما المرء إلاّ حيث يجعل نفسه # ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
[١] أزرى بالأمل: قصّر و وضع من قيمته.
[٢] جسيمات الأمور: الأمور العظيمة.
[٣] هملج في سيره: مشى مشية سهلة في سرعة.