محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٧٠٢ - أنواع منه
دعا المنصور طبيبا للخيزران، و كانت قد اشتكت عينها، فقال: إن هذه في عينها شوكة سنبل فانتزع من عينها، فإذا هو شيء طار من السنبل و لصق بعينها و تراكبت الأكحال التي تعالج بها فزال الألم في الوقت، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فلما دفعها إليه ندم.
فأوصاه فقال: احفظها فإنها مال له خطر، فقال: نعم، و فارقه فاستردّه، و قال: إياك أن تنفق منها شيئا حتى تتفق ضيعة تشتريها بها، فقال: نعم و فارقه، ثم استرده فأوصاه فقال: إن رأيت يا أمير المؤمنين فاختمها بختمك حتى ألقاك بها يوم القيامة على الصراط بختمك، فضحك و خلاه.
النّهي عن الامتنان
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: إياكم و الامتنان بالمعروف، فإن ذلك يبطل الشكر و يمحق الأجر، ثم تلا قول اللّه تعالى: لاََ تُبْطِلُوا صَدَقََاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىََ . و قيل: تمام البذل ترك المنّ، و قال بعضهم: لا تمنّ بالمعروف فالمعروف إذا ذكر كدر، و إذا أنسي أمر. تعداد المنة من ضعف المنة. و قيل: المنة تهدم الصنيعة و تسترد النعمة فنزه منتك عن الامتنان، و سأل رجل آخر حاجة فجعل يؤنبه، فقال: أ ترى أن تقيم ترك التأنيب مقام قضاء الحاجة.
أنواع منه
قال المتنبي:
و ما كلّ بمعذور ببخل # و لا كلّ على بخل يلام
و قال نصيب الصغير:
متى يجتمع يوما حريص و مانع # فليس إلى حمد هناك سبيل
و قال آخر:
و لو عليك اتكالي في الطّعام إذا # لكنت أول مدفون من الجوع
أحقر الناس البخيل لكي يستغنوا عن ماله. و سأل ابن عباس إنسانا حاجة فرده، فقال: أبوك لم يرد حاجة أحد جودا. كان قد أتاه قوم يستعبرون كلبا لينزوه على كلبتهم، فقال: لا ينزو عليها غيري إيجابا لكم. و قيل: أتاك ريان بلبنه إذا أعطى ما يفضل منه.
قال أبو علي المحمودي:
أعزّ عليّ من أبويّ عندي # و من نفسي أعزّ عليّ فلسي
فلو لا الفلس هنت على صديقي # و لم تكرم على الأطماع نفسي
و له:
و متّ على الدّرهم المنقوش موت فتى # يرى الممات عليه أكرم الكرم
و لو لا غناك لكنت الكلب عندهم # فإن أبيت فجرّب واشق بالنّدم