محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٠٢ - أخذ البريء بجرم السقيم
الواثق بتعذيبه و بحبسه في تنور من الحديد و إطباقه عليه قال لمعذبه: ارحمني. فردّ الخبر إلى الواثق فقال: أين قول لا تكون الرحمة إلا من خور، ثمّ تمثل بقوله:
فلا تجز عن من حسنة سنة أنت سرّتها
و وقع في قصة رجل دعني من ذكر الرحمة و الاشفاق فما هما إلا للنسوان و الصبيان.
قال المتنبّي:
يدخل صبر المرء في مدحه # و يدخل الإشفاق في قلبه
المتمدّح بأنه يقابل الإساءة بمثلها
قال شاعر:
اعلم بأنّك ما أسديت من حسن # إليّ أو سيّئ أوفيتك الثّمنا
قال مسلم بن الوليد [١] :
فإن يك أقوام أساءوا فأحسنوا # إليّ فإنّي بالجزاء لراصد
قال الحارثي إذا عفا لم يكن في عفوه من و لا يكدر نعماه، إن سطا عاتب ذا جرم بقدره لا يتعداه.
أخذ البريء بجرم السقيم
قال اللّه تعالى: وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاََ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [٢] . قال الحارث بن حلزة [٣] :
عننا باطلا و ظلما كما يعـ # ترّ عن حجرة الربيض الظّباء [٤]
و قال آخر:
كذي العرّ يكوى غيره و هو راتع [٥]
و قال آخر:
كالثور يضرب لما عافت البقر
و وقف رجل على الحجّاج فقال: أصلح اللّه الأمير جنى جان في الحيّ فأخذت بجريرته و أسقط عطائي. فقال الحجّاج: أ ما سمعت قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك و قد # يعدي الصّحاح مبارك الجرب
[١] مسلم بن الوليد: (ت ٨٢٣) من الشعراء العباسيين ولد في الكوفة و لقب بصريع الغواني. أكثر من البديع في شعره.
[٢] القرآن الكريم: الأنفال/٢٥.
[٣] الحارث بن حلزة: شاعر جاهلي من أهل العراق أحد أصحاب المعلّقات. اشتهر بدفاعه عن قبيلته بكر أمام ملك الحيرة عمرو بن هند.
[٤] الربيض: الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها.
[٥] العرّ: الجرب-راتع: اسم فاعل من رتع أي أقام و تنعّم.