محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٨ - معرفة النسب
مدح الحساب
قال اللّه تعالى: فََالِقُ اَلْإِصْبََاحِ وَ جَعَلَ اَللَّيْلَ سَكَناً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ حُسْبََاناً ذََلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ [١] ، و قال اللّه تعالى: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيََاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنََازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسََابَ [٢] و قيل الحساب ديباج [٣] العلم، و قال علي بن زين: لو رفع الحساب لبطلت العلوم و لو رفعت العلوم لم يبطل الحساب.
مدح استخراج المعمّى [٤] و ذمّه و الحاذق فيه
قيل: استخراج المعمّى يدقق النظر و يصقل الذهن و يفطن القلب. و قيل: إن بعض اليونانيين كتب بلغتهم كتابا إلى الخليل فخلا به شهرا حتى فهمه فقيل له في ذلك، فقال:
علمت أنه لا بدّ من أن يفتتح الكتاب باسم اللّه فبنيت على ذلك فقست عليه و جعلت ذلك أصلا ففتحت ثم وضع كتاب المعمى على ذلك.
و قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن المعمّى فقال هو عمى القلب. و قال الجاحظ: ليس المعمّى بشيء قد كان كيسان مستملي أبي عبيدة يسمع خلاف ما يقال، و يكتب خلاف ما يسمع، و يقرأ خلاف ما يكتب، يتعسر [٥] عليه استخراج أخف نكتة [٦]
من المعمّى.
معرفة النسب
سئل بعضهم عن علم النسب، فقال: هو علم لا تنفع معرفته و لا يضرّ جهله.
و قال رجل لأبي عبيدة: علّمني شيئا من النسب، فقال: ما تستفيد بذلك إلا معرفة المعايب. و قيل: فلان أنسب من دغفل [٧] و من ابن لسان الحمرة. و قال المتنبّي في نبطي [٨]
عارف بالنسب:
و ما ذا بمصر من المضحكات # و لكنّه ضحك كالبكاء
بها نبطيّ من أهل السّواد # يدرس أنساب أهل العلا
[١] القرآن الكريم: الأنعام/٩٦.
[٢] القرآن الكريم: يونس/٥.
[٣] الديباج: الحرير، و ديباج العلم كناية عن منزلة الحساب الرفيعة.
[٤] المعمّى من الكلام: ما كان خفيّ المعنى.
[٥] يتعسّر عليه: أي يعسر و يصعب عليه.
[٦] النكتة: الأثر الحاصل من نكت الأرض، و النكتة (هنا) ، المسألة الدقيقة.
[٧] دغفل: هو رجل من بني شيبان عاش في القرن السابع الميلادي و أدرك الإسلام، و كان أعلم زمانه في الأنساب.
[٨] النبطيّ: المنسوب إلى النبط و هم قوم كان يقطنون القسم الجنوبي من فلسطين. و كانت لهم فيه حصون و قلاع و منها بصرى و صلخد و صلع. و كانت للنبط أو الأنباط رحلات تجارية إلى ما بين النهرين و مصر و الشام.