محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤١٧ - هجو القبائل
فقال: أنا من ثقيف، فقالت:
أضلّ الناسبون أبا ثقيف # فما لهم أب إلاّ الضلال
فقال: بل أنا من خزاعة، فقالت:
باعت خزاعة بيت اللّه إذ سكرت # بزقّ خمر و أثواب و أبراد
فقال بل أنا من جرم، فقالت:
إذا ما اتّقى اللّه الفتى و أطاعه # فليس به بأس و إن كان من جرم [١]
فقال: بل أنا من حنيفة، فقالت:
أكلت حنيفة ربها # زمن التقحّم و المجاعة [٢]
فقال: بل أنا من عبد القيس، فقالت:
علامة عبد القيس لا ينكرونها # أعاصير من فسو عليهم تفتر [٣]
فضجر الرجل، فقال: أنا من إبليس، فقالت:
عجبت من إبليس في تيهه # و خبث ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدة # و صار قوّادا لذريّته [٤]
فقال: اعفيني، فقالت: إلى لعنة اللّه إذا نزلت بقوم فلا تجحد إحسانهم.
خرج قتيبة متنزّها فلقى أعرابيا فقال: له ممّن الرجل؟فقال: من عبد قيس، فقال:
نسب مهزول. فقال الأعرابي: ممن أنت؟فقال: من باهلة، فقال: وا ويلاه وا هولاه أمثلك يقول نسبي مهزول و أنت بين الدعة و الخمول. فقال له قتيبة: يا أعرابي أ يسرك أنك أمير و أنك باهلي، فقال: لا و لا خليفة اللّه في أرضه. فقال: و لك حمر النعم، فقال: لا و لا ما طلعت عليه الشمس. فقال: و إنّك تدخل الجنة فاطرق ثم رفع رأسه فقال: إن كان و لا بد فعلى أن لا تعلم بذلك أهل الجنة فضحك قتيبة و وصله.
و سأله أعرابي عن نسبه، فقال: من باهلة فقال: أعيذك باللّه. و قال آخر لأعرابي: أنا مولى باهلة، فأخذ الأعرابي يتمسح به و يقول: ما أبلاك اللّه بذلك إلا و جعلك من أهل الجنة. و تساب رجلان فقال أحدهما: يا ابن الزانية فقال الآخر: يا باهلي فقضى له، و قيل له ربأت عليه.
سأل أعرابي عبد الملك و قد رآه متنكرا ممن أنت؟قال: من بني أمية، فقال: أنتم في الجاهلية مربون في التجارة و في الإسلام تعادون أهل الطهارة، سيدكم حمار و أميركم حبار، إن نقصتم عن أربعين لم تدركوا بثار و إن بلغتموه كنتم بشهادة الرسول من أهل النار.
[١] باس: مخفّف بأس: قوة-جرم: ذنب.
[٢] زمن التقحم: زمن الجدب و القحط.
[٣] تفتر: تسكن.
[٤] قواد لذريته: سمسار دعارة لأبنائه.