محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٣ - ذمّ مدّع للعلم
العتب على من يذمّ علما
تحدّث يوما شريك بحديث فقال عافية القاضي: لا أعلم هذا. فقال: و هل يضرّ عالما جهل جاهل.
و قال المتنبي:
و كم من عائب قولا صحيحا # و آفته من الفهم السّقيم [١]
و قال ابن الرومي:
عابوا قريضي و ما عابوا بمعرفة # و لن ترى الشمس أبصار الخفافيش [٢]
ذمّ مستكثر لعلمه معجب بنفسه
ذكر النظّام الخليل فقال: توحد به العجب فأهلكه و صوّب له الاستبداد صواب رأيه فتعاطى ما لا يحسنه. و قال إبليس: ثلاث من كنّ فيه أدركت حاجتي منه: من استكثر علمه، و نسي ذنبه، و أعجب برأيه.
و يدخل في هذا الباب ما ذكر في قول عديّ بن الرقاع و قد تقدم.
ذمّ مدّع للعلم
قال كشاجم:
تشبّه في النحو بالأخفشين # فجاء بأعجوبة مطرفه [٣]
و لم يسمع النّحو لكنّه # قرا منه شيئا و قد صحّفه
فإن لم يكن أخفش الناظرين # فإنّ الفتى أخفش المعرفة
و قال آخر:
فما لك بالغريب يد و لكنّ # تعاطيك الغريب من الغريب [٤]
و قال أبو العتاهية [٥] :
أشدّ النّاس للعلم ادعاء # أقلّهم بما هو فيه علما
[١] الآفة: العلّة.
[٢] قريضي: شعري-الخفافيش: جمع خفاش و هو طائر يبصر في اللّيل دون النهار و الخفّاش يسمّى الوطواط.
[٣] الأخفشان هما: الأخفش الأكبر المتوفّى سنة ١٧٧ هـ (٧٩٣ م) ، و الأخفش الأصغر المتوفّى سنة ٣٠٨ هـ (٩٢٠ م) و هناك أيضا الأخفش الأوسط المتوفّى سنة ٢١٥ هـ (٨٣٠ م) ، و معنى الأخفش لغة الصغير العين في سوء بعدها.
[٤] الغريب: الكلام غير المألوف.
[٥] أبو العتاهية: شاعر عبّاسي عاصر هارون الرشيد و أدرك المأمون كانت ولادته في موضع قرب المدينة ثم انتقل إلى الكوفة و بها نشأ و العتاهية لقب غلب عليه لنعته و مجونه عاصر.