محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٩٤ - ذمّ من اعتذر فأساء
التثبّت في العقوبة نصف العفو
قال المتنبّي:
ترفّق أيّها المولى عليهم # فإنّ الرفق بالجاني عتاب
نهي العافي عن التثريب
رضي بعض الملوك عن رجل ثم أخذ يوبّخه. فقال: إن رأيت أن لا تخدش وجه رضاك بالتثريب [١] فافعل. و قيل: ما عفا عن الذنب من قرع به [٢] . و قيل: العفو مع العذل [٣] أشد من الضرب على ذي العقل. فرّب قول أنفذ من صول و عفو أشد من انتقام، قال ابن نوقة:
إن كنت تعفو فاعف عفو مهنئ # إحسانه إنّ الكريم و هوب
قل قول يوسف حين قال لإخوة # جاءوه معتذرين لا تثريب
أو لا فعاقبني فليس بمنكر # من مثلك التقويم و التأديب
و فيمن يعاقب ثم يعاتب، قال شاعر:
إذا عوقب الجاني على قدر جرمه # فتعنيفه بعد العقاب من الرّبا [٤]
معاتبة من صفح ثم ندم
قال ابن طباطبا: كان جرى بيني و بين رجل كلام و احتملت عنه، ثم ندمت فرأيت في المنام كأنّ شيخا أتاني فأنشدني:
أ ندمت حين صفحـ # ت عمّن قد أساء و قد ظلم
لا تندمن فشرّنا # من أتبع الخير الندم
ذمّ من اعتذر فأساء
قيل في المثل: عذره أشد من جرمه، رب أضرار أحسن من اعتذار. و قال آخر:
أنسيتنا باعتذارك كلّ عثارك و قيل بث من عذرك ثم من ذنبك.
قال الخبزارزي:
و كم مذنب لمّا أتى باعتذاره # جنى عذره ذنبا من الذّنب أعظما
قال ابن الحجّاج:
لي صديق جنى عليّ مرارا و كثّرا
[١] التثريب: اللوم و تقبيح الفعل.
[٢] قرع به: عنّفه، و قرع القوم: أقلقهم.
[٣] العذل: الملامة.
[٤] يقول: لا داعي لتعنيف الجاني أو تقريعه بعد معاقبته و إنزال القصاص به على قدر ذنبه و جرمه، لأن هذا التعنيف في باب العدل مثل الربا في باب المال و الاقتصاد.