محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٠٥ - النهي عن الاستعانة بمن ظلمته
النهي عن السّكون إلى من تقدّم منك له إساءة
قيل: إذا أوحشت الحرّ فلا ترتبطه فإذا ارتبطته فلا توحشه. لمّا قدم عبد الملك المدينة خطب فقال: و اللّه ما تحبونا و لا نحبكم و نحن أصحاب يوم الحرة و إنما مثلنا، كما قال النابغة [١] :
أبى لك قبر لا يزال مواجها # و ضربة فأس فوق رأسي ناقره [٢]
و حديث ذلك أن العرب زعمت أن حية كانت في بيت رجل فقتلته فترصدها أخوه ليقتلها طالبا بثأره فقالت له الحية: صالحني على أن اؤدى إليك كل يوم دينارا ففعل. فلما كثر ماله تذكر دخله فأعد فأسا و ترصدها فرماها و أشواها، فقطع ذنبها فافلتت و ندم الرجل لما لم ينل ثأره، وفاته ما كان يناله فدعاها يوما إلى المراجعة على أن يصالحها فقالت: لا يقع الصلح بيننا ما رأيت قبر أخيك و أرى أثر الفأس في ذنبي.
و حكي أن رجلا كان له عبد سندي فتعرض لامرأته فعلم الرجل بذلك فأخذه و جبّهه [٣] ثم تحوّب [٤] لذلك فداواه. فلما برأ اتفق إن غاب الرجل يوما فعمد السندي المحبوب إلى ابنين كانا لسيده فأخذهما و صعد السور فلما بصر بالرجل قال: و اللّه إن لم تجب نفسك كما جببتني لاقذفهما من السور ليموتا، و إن نفسي لأهون من شربة ماء. فلما رأى الرجل منه الجدّ جبّ نفسه فرمى العبد بالابنين من السور، و قال إن جبّك نفسك قصاص لما جببتني و قتل ابنيك زيادة أعطيتكها.
التحذير من عدوّ قاهر
قيل: أحذر الناس أن يحذر عدوّ قاهر و سلطان جائر. و قيل: إيّاك و معاداة من أن أرادك بسوء أرداك [٥] ، و إن أردته بسوء لم توجع إلاّ حشاك، و قيل: لا تعاد من غيظك عليه غيظ الأسير على القد.
النهي عن الاستعانة بمن ظلمته
قيل: العدوّ عدوان عدوّ ظلمته و عدو ظلمك، فإن اضطرك الدهر إلى أن تستعين بأحدهما فاستعن بالذي ظلمك فإنه أحرى [٦] أن يعينك و إن الذي ظلمته موتور [٧] .
[١] النابغة الذبياني (ت ٦٠٤ م) من فحول شعراء الجاهلية، أقام في بلاط ملوك الحيرة أسخط النعمان أبا قابوس و لجأ إلى ملوك غسان ثم عاد إلى الحيرة معتذرا. أشهر شعره: الغسّانيّات و الاعتذاريات.
[٢] ترصّدها: ترقّبها، يقال ترصّد له: قعد له على طريقه ليوقع به.
[٣] جبّه: قطعه، و المراد هنا جرحه فآذاه و أذلّه.
[٤] تحوّب: توجع، و الأصوب أن يقال تحوّب من ذلك.
[٥] أرداك: قتلك أو رماك فقتلك.
[٦] أحرى: أولى و أجدر.
[٧] الموتور: المصاب بظلم أو مكروه.