محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦١٦ - المتسلّي عمّا يذهب له من المال
مِمََّا يَجْمَعُونَ [١] . قال بزرجمهر: لم أر ظهيرا على تقلب الدول كالصبر و لا مذلا للحاسد كالتجمّل. و سئل متى يفحش زوال النعمة؟فقال: إذا زال معها حسن التجمّل.
و قال زيد الفوارس:
أ لم تعلمي أني إذا الدهر مسّني # بنائبة زلّت و لم أتترس [٢]
مدح صابر على فقره صائن لنفسه
قال كثيّر:
إذا قلّ مالي زاد عرضي كرامة # عليّ و لم أتبع دقاق المطامع
قال خليفة بن مر:
إنا إذا حطمة حتّت لنا ورقا # نكابد العيش حتّى ينبت الورق [٣]
و قال آخر:
و كم أزمة للدهر ألقت جرانها # عليّ فلم تهتك مذلّتها ستري [٤]
و قال ابن هرمة:
و أصرف عن بعض المياه مطيّتي # إذا أعجبت بعض الرجال المشارع [٥]
المتسلّي عمّا يذهب له من المال
أصيب أعرابي بزرع لم يكن له غيره، و كان بقفر خلاء، فقال: يا رب اصنع ما شئت فرزقي عليك. و قيل: إذا سلمت النفس فالمال هدر. و دخل على علي بن الجهم صديق له، و قد أخذ كلّ ماله و هو يضحك، فقال له في ذلك، فقال: لأن يزول مالي و أبقى أحب إليّ من أن أزول و يبقى مالي.
قال شاعر:
نعمة كانت على قو # م زمانا ثم زالت
هكذا النعمة و الإنـ # سان مذ كان و كانت
تسلب النعمة أو يخـ # رج منها إن أقامت
البيت الأخير كالخبر المتقدم.
[١] القرآن الكريم: يوسف/٣٨.
[٢] أتترس: من تترّس أي لبس الترس أو استتر به، و الترس صفحة من فولاذ للوقاية من السيف و نحوه.
[٣] الحطمة: السنة الشديدة لأنها تحطم كلّ شيء، و الحطمة أيضا: النار الشديدة-حتّت لنا ورقا: أسقطته -نكابد العيش: من كابد الأمر: قاساه و تحمّل المشاق في فعله.
[٤] الجران: مقدّم عنق البعير، يقال ألقى البعير جرانه أي برك، و ألقت الخطوب جرانها ثبتت و استقرت.
[٥] صرف مطيّته عن: رحل و ذهب بعيدا-المشارع: جمع مشرع و هو مورد الشاربة.