محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٦ - عتب من نصر نفسه لنفع غيره
فضل التدبير و ذويه
نظام الأمر التدبير، و رأس الأمر التقدير. و قيل: من فعل بغير تدبير، و قال بغير تقدير، لم يعدم من الناس هازئا و لا حيا.
و قيل: فلان يعرف من أين تؤكل الكتف [١] و يعرف منابت القصيص، و هما مثلان يقالان في من يعرف وجه الأمر.
الحثّ على الاشتغال بما يعنيك عمّا لا يعنيك
قيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟قال: حفظ ما كلفت و ترك ما كفيت. و قيل للأحنف: بم سدت قومك؟قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
و قال رجل لأفلاطون [٢] لم تختمت في يمينك؟فقال لأعرف المتكلفين، و من يسأل عمّا لا يعنيه.
قال الشاعر:
و لا تعترض في الأمر تكفي شئونه
ذمّ تارك ما يعنيه لما لا يعنيه
قال ابن هرمة [٣] :
كتاركة بيضها بالعراء # و ملبسة بيض أخرى جناحا
و قال آخر:
هراق [٤] الماء و اتّبع السّرابا
عتب من نصر نفسه لنفع غيره
قال الشاعر:
يكسي الأنام و يعري استه # و ينسل من خلفه الأسفل
[١] من أين تؤكل الكتف: مثل يقال لمن يحسن انتهاز الفرص و الإفادة من السوانح و معرفة دروب النجاح و مسالك الأمور، و مثله قولهم: فلان يعرف منابت القصيص.
[٢] أفلاطون: أحد كبار فلاسفة الإغريق. كان تلميذا للحكيم سقراط، و من تلامذته أرسطو رأس فلاسفة اليونان و العالم قبل الميلاد.
[٣] ابن هرمة: هو إبراهيم بن هرمة ولد في المدينة سنة ١٩٥ هـ (٨١٠ م) ، و مدح الخليفة العبّاسي أبا جعفر المنصور و مات سنة ٦٢٧ هـ (٨٨٠ م) .
[٤] هراق الماء: أي أراق، و كانت بعض قبائل العرب تستعمل الهاء في موضع همزة التعدية مثل هنار و هطاع في موضع أنار و أطاع.