محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٤٨ - الممدوح بالحياء
النّهي عن تعاطي ما يضحك
قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له ويل له. و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إن الرجل يتكلم بالكلمة يضحك بها الناس فيذل أبعد ما بين السماء و الأرض، و قيل لأبي العيناء: فلان يضحك منك فقال: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون.
إيراد جدّ في مسلك هزل
قيل: جديدة في لعيبة، و قال خالد بن صفوان رماني بأصلب من الجندل و نشقني بأحرّ من الخردل، ثم قال أني أمازحك.
لي صاحب ليس يخلو # لسانه من جراحي
يجدّ تمزيق عرضي # على طريق المزاح [١]
(٤) و مما جاء في الحياء و الوقاحة
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: الحياء شعبة من الإيمان و من لا حياء له فلا إيمان له و فسر قوله تعالى:
وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوىََ [٢] بالحياء و قال: أبى عليك بالحياء و الأنفة فإنك إن استحييت من الغضاضة [٣]
اجتنبت من الخساسة، و إن أنفت من الغلبة لم يتقدمك أحد في مرتبة. و قيل: أحي حياءك بمجالسة من يستحى منه، و قيل: من جمع بين الحياء و السخاء فقد أجاد الخلة إزارها و رداءها.
الممدوح بالحياء
في وصف النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنّه كان شديد الحياء، و كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها [٤] ، و كان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. و سأل يحيى ابن خالد رجلا عن ابنه فقال تركته و ماء الحياء يتحدر من أسارير وجهه، و سيول الجود سائلة من فروج أنامله و لآلئ العلم متناثرة من ميازيب [٥] منطقه. قال شاعر:
ترك الحياء بها رداع سقيم [٦]
قال المتنبّي:
و أوجه فتيان حياء تلتمّوا # عليهنّ لا خوفا من الحرّ و البرد
[١] يقول: إنه ينال من شرفي في معرض المزاح.
[٢] القرآن الكريم: الأعراف/٢٦.
[٣] الغضاضة: غضّ من طرفه: خفضه و كفّه.
[٤] خدرها: ما يفرد لها من السكن.
[٥] ميازيب: أقنية الماء جمع ميزاب.
[٦] الرداع: معاودة المرض.