محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٢١ - من دعا العفاة إليه كثرة الثناء عليه
فداره مجمع العفاة و مربع المكرمات حاضرة الجود و الحسب.
و قال وهب الهمداني:
فتى داره معمورة بعفاته # و مجلسه بالمكرمات منجد [١]
و قال الجاحظ: كان العلماء يستجيدون بيت الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة # إلى ضوء نار في يفاع تحرق [٢]
تشبّ لمقرورين يصطليانها # و بات على النّار النّدى و المحلّق [٣]
حتى قال: الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد [٤]
فحينئذ فضلوا هذا و صار لحسنه ناسخا لبيت الأعشى.
من دعا العفاة إليه كثرة الثناء عليه
دخل رجل على أبان بن الوليد، فقال: أصلح اللّه الأمير أحفيت إليك الركاب و قطعت العقاب و أخلقت الثياب، فقال أبان: ما دعاك إلى ذلك، أ قرابة أم جوار أم عشرة متقدمة أم وصلة متأكدة، فقال: لم يكن من ذلك شيء، و لكني سمعت الناس ينشدون بيتا قلته فيك فعلمت فيك خيرا، و هو:
و ما شيم لي برق و إن كان نازحا # فيخلف إذ بعض البوارق خلّب [٥]
فأمر له بجمال و مال، و لما قصد ذو الرمّة بلال بن أبي بردة و أنشده:
سمعت النّاس ينتجعون غيثا # فقلت لصيدح انتجعي بلالا [٦]
و صيدح اسم ناقته. قال: يا غلام أعلفها قتا و نوى.
و قال بشار:
دعاني إلى عمر جوده # و قول العشيرة بحر خضمّ
و لو لا الذي خبّروا لم يكن # لأحمد ريحانه قبل شمّ
و قال الموسوي:
دعاني إليك العزّ حتّى أجبته # و من طلبته جمّة الماء أوردا
[١] عفاته: ضيوفه-منجد بالمكرمات: مجيب و معين.
[٢] اليفاع: التل المشرف.
[٣] المحلق: الإناء الممتلئ حتى حلقه، و المحلّق المعنيّ هنا هو ابن خثم بن شدّاد بن ربيعة الذي أحسن ضيافة الأعشى فمدحه بقصيدة منها هذان البيتان، و كان المحلّق فقيرا ذا بنات فتأثر النّاس بما قاله الأعشى في مدحه فسارعوا إلى مصاهرته.
[٤] تعشو إلى النار: تراها من بعيد فتقصدها.
[٥] شيم برق: نظر إليه ليرى أين يلمع.
[٦] انتجعي: اقصديه طالبة معروفه.