محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٨٣ - العفو عمّن سلم باطنه
قال المتنبي:
فتى لا تسلب القتلى يداه # و يسلب عفوه الأسرى الوثاقا [١]
الممدوح بأنه إن شاء صفح و إن شاء انتقم
قال الأعشى:
يقوم على الرغم في قومه # فيعفو إذا شاء أو ينتقم
و قال كثير:
حليم إذا ما نال عاقب مجملا # أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب [٢]
قال علي بن الجهم [٣] :
يعاقب تأديبا و يعفو تطوّلا # و يجزي على الحسنى و يعطي فيجزل
و قال آخر:
تسطو بعدل و تعفو إن عفوت به # فلا عدمناك من عاف و منتقم
الحثّ على إقالة من سلم ظاهره
قيل: لا تعتد بما لم تسمعه أذناك فإن السيد إذا حضر هيب و إذا غاب اغتيب. و قال بعض الملوك: إنما نملك الأجساد دون النيات و نحكم بالعدل لا بالهوى و نفحص عن الأعمال لا عن السرائر [٤] . قال البحتري:
إذا عدوّك لم يظهر عداوته # فما يضرّك إن عاداك إسرارا [٥]
و قال آخر:
إذا دحسوا بالكره فاعف تكرّما # و إن حبسوا عنك الحديث فلا تسل [٦]
فإنّ الذي يؤذيك منه استماعه # و إن الذي قالوا وراءك لم يقل
العفو عمّن سلم باطنه
قد يهفو [٧] المرء و نيته سليمة و يزلّ [٨] و طريقته مستقيمه، قال إبراهيم بن المهدي:
[١] الوثاق: القيد.
[٢] لم يثرب: ثرّب، لام.
[٣] علي بن الجهم: (ت ٨٦٣) شاعر بغداديّ كان معاصرا لأبي تمّام. غضب عليه المتوكّل فنفاه إلى خراسان. ثم انتقل إلى حلب فقتله فرسان من بني كلب. يتميّز شعره بالرقّة.
[٤] السرائر: جمع سريرة، السّر الذي يكتم.
[٥] يحذّر البحتري من العدوّ الذي يخفي عداوته و يتظاهر بالودّ.
[٦] دحسوا: أفسدوا، و دحس بالشرّ: دسّه من حيث لا يعلم.
[٧] يهفو: يخطئ.
[٨] يزلّ: يسقط.