محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٧١ - من الجود عبده و رقيقه
الخصيب الفناء
قال بعضهم لعاف: نزلت بواد ممطور و فناء معمور، فحطّ رحلك فقد صادفت أهلك. قال الحطيئة:
إذا نزلوا بمحلّ روّضوه # بآثار كآثار الغيوم [١]
و قال ابن الرومي:
أنخت بحيث تبيضّ الأيادي [٢] # و تسودّ المطابخ و البرام [٣]
من علّم الناس الجود و أعداهم حسن صنيعه
قال بعض الأعراب: قدم علينا الحكم بن المخزومي و لا مال لنا، فأغنانا عن آخرنا، فقلت له: كيف؟فقال: علمنا مكارم الأخلاق فعاد أغنياؤنا على فقرائنا فصرنا كلنا أجوادا.
و كان عبد اللّه بن العباس يسمّى معلم الجود لسخائه و حثّه على ذلك قولا و فعلا.
قال شاعر متمثلا معاتبا لصاحبه:
فلو كنت تطلب شأو الكرام # فعلت كفعل أبي البحتري
تتبع إخوانه في البلاد # فأغنى المقلّ عن المكثر
و قال ابن الرومي:
حبّبت كفّه النوال إلى النا # س جميعا و كان غير حبيب
و قصد أبو العريان بعض الأكابر فكساه و أولاه مالا، فخرج و وزع على أصحابه، و قال:
لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى # و لم أدر أن الجود من كفّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى # أفدت و أعداني فأفسد ما عندي
من الجود عبده و رقيقه
قصد أعرابي خالد بن يزيد، فقال إني امتدحتك ببيتين فهل تسمعهما، فقال: إن أحسنت فنعم و لك ثواب، فأنشد:
سألت النّدى و الجود حرّان أنتما # فقالا جميعا إننا لعبيد
فقلت و من مولاكما فتطاولا # جميعا و قالا خالد و يزيد
فاهتزّ طربا لهما، و أمر له بصلة سنيّة.
قال دعبل:
الجود يعلم أنّي منذ عاهدني # ما خنته وقت ميسوري و معسوري
[١] روّضوه: أكثروا من رياضه.
[٢] أنخت: أقمت و بركت-تبيضّ الأيادي: كناية عن الكرم، و تسوّد المطابخ: كناية عن حسن الضيافة و القرى.
[٣] البرام: الحبل المبروم، و الخيط المبروم، و كلّ ما يبرم.