محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٦١ - مدح كتمان السر
المتبجّج بحفظ السرّ
قيل لرجل: كيف كتمانك السر؟قال: قلبي قبره و صدري حبسه. و قال الأحوص [١] :
و مستخبر عن سرّ ريّا رددته # بعمياء من ريّا بغير يقين
و قال أبو تمّام:
منيع نواحي السرّ منه حصينها
و قال المتنبّي:
و للسرّ منّي موضع لا يناله # نديم و لا يفضي إليه شراب
و قال ابن نباته [٢] :
أكاتم قلبي رأي عيني و إنّه # ليكتم منّي سرّ كلّ خليل
الممدوح بحفظه
قال الأحوص:
كريم يميت السرّ حتّى كأنّه # عم بنواحي أمره و هو خابر
و قال قيس بن الحطيم:
كتوم لأسرار الخليل أمينها # يرى أن بثّ السرّ قاصمة الظّهر
و قال كشاجم:
و يكاتم الأسرار حتّى أنّه # ليصونها عن أن تمرّ بخاطره
مدح كتمان السر
قال قتادة (رضي اللّه تعالى عنه) : إذا تكلمت بالنهار فانظر من عندك، و بالليل، فاخفض صوتك. و قد نظمه الشاعر بقوله:
اخفض الصوت إن نطقت بليل # و التفت بالنّهار قبل الكلام
و دنا رجل من آخر فكلّمه، فقال: ليس هاهنا أحد، فقال: من حق السرّ التداني [٣] .
[١] الأحوص: هو عليّ الأنصاريّ المتوفّى سنة ١١٠ هـ (٧٢٨ م) كانت ولادته في المدينة و وفاته في دمشق. و هو من شعراء الحجاز المشهورين بفن الغزل، و كان يكثر من التشبيب بنساء البيوتات، و قيل إنه نفي و سجن. و من فنونه التي برع فيها أيضا الهجاء.
[٢] ابن نباتة: هو عبد الرحيم بن نباتة ولد في بلدة ميافارقين سنة ٣٣٥ هـ (٩٤٦ م) و مات سنة ٣٧٤ هـ (٩٨٤ م) ، و كان مؤدّبا في بلاط سيف الدولة.
[٣] التداني: التقارب.