محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٨١١ - قصد الحانات
و قال آخر:
و من العجائب أن يكون نبيذه # كدم الذّبيح و أمره متظاهر
فتراه ينتظر العشيّ بشربه # و اليوم منهمل السحائب ماطر
و قال كشاجم:
و أحبّ أوقات النّعيم # إليّ في وقت السّحر
أوقات الشّرب في الأسبوع
كان الوليد يشرب يوما و يدع يوما، و سليمان يشرب في كل ليلة، و هشام يسكر في كل جمعة، و يزيد بن الوليد يدمن الشرب فكان دهره بين سكر و خمار، و كان المنصور يشرب عشية الثلاثاوات، و كان المأمون يشرب الثلاثاء و المعتصم لا يشرب الخميس و لا الجمعة.
قصد الحانات
من عادتهم: التبجح بقصد الحانات و ابتياع الخمر، و لذلك قال طرفة:
متى تبغني في حلقة القوم تلقني # و إن تلتمسني في الحوانيت تصطد [١]
و بكر أبو الهندي على خمار فاصطبح و سكر و نام، و دخل على الخمار فتيان فرأوه فسألوا عنه الخمار فأخبرهم بمكانه، فقالوا: ألحقنا به فسقاهم حتى ناموا، فلما استيقظ أبو الهندي رآهم فسأله عنهم فأخبره بهم، فقال: ألحقني بهم فأقاموا على ذلك عشرة أيام، فقال أبو الهندي يصف ذلك:
ندامي بعد عاشرة تلاقوا # تضمّهم بكوذبان راح [٢]
رأوني في الشّروق على وساد # يفيض بمهجتي ورد و راح
فقالوا أيّها الخمّار من ذا # فقال أخ تخوّنه صلاح
فقالوا قم فألحقنا و عجل # به إنا لمصرعه نراح
و حان تنبّهي فسألت عنهم # فقال أتاحهم قدر متاح
فقلت له فسرّحني إليهم # حثيثا و السّراح هو النّجاح
فما إن زال ذاك الدّأب منّا # إلى عشر نفيق و نستباح
و له:
و صاحب حانوت عشوت لناره # و قد مالت الجوزاء نحو المغارب [٣]
فقال ألا عجّل لنا النقد إنّنا # أناس أخذنا بالكرا و الضّرائب [٤]
[١] حلقة القوم: مجلس إشراف العشيرة-الحوانيت: الخمارات.
[٢] كوذبان: مثنى كوذب و هو موضع (معجم البلدان لياقوت: ٤/٥٥٥) .
[٣] الجوزاء: أحد الأبراج في السماء.
[٤] الكرا: الكراء، أجرة المستأجر.