محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٠١ - التبجّح بقسوة القلب و قلّة الرحمة
و ضرب الحجّاج رجلا فقال: اعتديت أيّها الأمير فقال: لا عدوان إلا على الظالمين. و وقّع [١] إبراهيم بن العباس: إذا كان للمحسن من الحق ما يقنعه و للمسيء من النكال ما يقمعه بذل المحسن الحق له رغبة، و انقاد المسيء له رهبة.
حثّ القادر على العقاب قبل فوته
قيل: صمّم إذا أيقنت أنك عاقره [٢] ، و قال بعض الغسانيين يحرض الأسود بن المنذر على قتل أعدائه:
ما كلّ يوم ينال المرء فرصته # و لا يسوغه المقدار ما وهبا
فأحزم الناس من إن نال فرصته # لم يجعل السبب الموصول مقتضبا
لا تقطعن ذنب الأفعى و ترسلها # إن كنت شهما فأتبع رأسها الذّنبا
دخل الأبرش على هشام لما غضب على خالد القسري فقال: يا أمير المؤمنين أقلّ خالدا عثرته [٣] و تدارك بحلمك هفوته فقال:
مضى السهم حتّى لا يريد سوى الحشا # فصادف ظبيا في الحديق راتعا [٤]
و كتب يحيى بن خالد إلى الرشيد من الحبس: إن كان الذنب خاصا فلا تعمم بالعقوبة في سلامة البري و مودة الولي. فكتب إليه: قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيََانِ [٥] .
و قال عبد الصمد للمنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو. فقال: لأن بني مروان لم تبل رممهم و آل أبي طالب لم تغمد سيوفهم، و نحن بين أقوام قد رأونا بالأمس سوقة و اليوم خلفاء فليس تتمهد الهيبة في صدورهم إلا باطراح العفو و استعمال العقوبة. و قال لما قتل أبا مسلم: لقد شاركت عبد الملك في قول كثير:
يصدّ و يغضي و هو ليث خفية # إذا أمكنته فرصة لا يقيلها
التبجّح [٦] بقسوة القلب و قلّة الرحمة
كان محمّد بن عبد الملك بن الزيات يقول: رقة القلب من خور [٧] الطبيعة. و لما أمر
[١] قع: من التوقيع و هو ما يجمل فيه الكاتب مقاصده في الكتاب أو الجواب بحذف الفضول، و التوقيع على هذا مقاصده في الكتاب أو الجواب بحذف الفضول، و التوقيع على هذا النحو فن مزيد بين ضروب الكتابة و كان خاصّا تقريبا بالخلفاء و الولاة و أصحاب السلطان، و له سمات أهمها البلاغة و الإيجاز و سداد الرأي، و إذا اشتهر دخل في باب المأثور و الأقوال السائرة.
[٢] عقر عقرا: جرح و نحر-عقر الإبل: قطع قوائمها-عقره عقرا و عقارة: حبسه عن السير.
[٣] أقلّ عثرته أو أقاله من عثرته: قدّم له العون و أخرجه من ورطته و أنهضه من سقطته.
[٤] الحديق: الحديقة، أو البستان عليه حائط.
[٥] القرآن الكريم: يوسف/٤١.
[٦] التبجّح: التفاخر، تبجّح في الغنى: توسّع غناه.
[٧] خور الطبيعة: أي ضعف الطبيعة البشريّة.