محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٧٦٦ - المتبجّح بجفائه للضّيف
و ما روحتنا لتذبّ عنّا # و لكن خفت مرزية الذباب [١]
و قال آخر:
الماء في منزله طرفة # يشربه الضيف بمقدار [٢]
المقتّر على نفسه بخلا
قال بعض البخلاء: ترك الغداء للعشاء ربح العشرة عشرة.
قال ابن الرومي:
يقتّر عيسى على نفسه # و ليس بباق و لا خالد
و لو يستطيع لتقتيره # تنفّس من منخر واحد
و قيل: أهل الكوفة إذا عتق عندهم التنور و تكثّر دققوه و جعلوه في الفتيت لما تشرب من الخبز. و قيل: إن بعض البخلاء حقن فلما حركه الطبع دعا بطست فقعد عليه، و قال للغلام: ضف هذا الدهن للسراج. و قال رجل لغلامه: اشتر من لحم و أطبخه سكباجا لأعتقك، ففعل فأكل المرق و ترك اللحم، فلما كان اليوم الثاني، قال: أطبخه مضيرة ففعل، فأكل المرق و ترك اللحم، فلما كان اليوم الثالث، قال: أطبخه قلية ففعل، فقال له العبد: يا سيدي أعتق هذا اللحم و اتركني رقيقا، فلقد آذيتني من كثرة ما أعذبه بالنار.
و كان بعض الكبار توضع على مائدته كل يوم دجاجة فلا تؤكل بل ترفع، ثم تسخن في اليوم الثاني. و تقدم فتترك بحالها، فقال بعض الحاضرين: دجاجتنا هذه من آل فرعون تعرض على النار غدوّا و عشيّا.
المتبجّح بجفائه للضّيف
قال شاعر:
و أجبه ضيفي حين يحتلّ ساحتي # بسيفي و لا أرضى بما يفعل الكلب
و قال آخر:
و أنا لنجفو الضيف من غير عشرة # مخافة أن يضرى بنا فيعودا [٣]
و قال آخر:
أعددت للضّيفان كلبا ضاريا # عندي و فضل هراوة من أرزن [٤]
و معاذرا كذبا و وجها باسرا # و تشكّيا عضّ الزمان الألزن [٥]
[١] لتذبّ عنا: لترفع عنا العطش.
[٢] الطرفة: الغريب المستحسن المعجب.
[٣] يضري: يغتر و يعود.
[٤] هراوة: عصا-و أرزن: شجر صلب تتخذ منه العصي.
[٥] وجه باسر: وجه مقطّب-الزمان الألزن: الشديد.