محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٣٧ - بقاء الأمل و المنى ببقاء الحياة
التحذير من طول الأمل
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: أخوف ما أخوف على أمتي الهوى و بعد الأمل. أما الهوى فيعدل عن الحق و أما طول الأمل فينسى الآخرة. ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل، من جرى في عنان أمله فعاثر [١] لا شك بأجله. الآمال مصائد الرجال.
و وجد على حجر مكتوب: يا ابن آدم لو رأيت ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجوه من أملك.
تبكيت من أطال الأمل
أقام معروف الكرخيّ الصلاة فقال لمحمد بن ثوابة: تقدّم، فقال: إن صليت بكم الصلاة لم أتقدم بعده، فقال: و أنت تحدث نفسك بصلاة أخرى نعوذ باللّه من طول الأمل فإنه يمنع من خير العمل، من عدّ غدا من أجله فقد أساء.
نفع طول الأمل في الورى
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: الأمل رحمة لأمتي و لو لا الأمل ما أرضعت أمّ ولدا و لا غرس غارس شجرا. و من هذا أخذ الحسين رضي اللّه تعالى عنه: لو عقل الناس و تصوروا الموت بصورته لخربت الدنيا. و قال مطرف: هذه الغفلة رحمة فلو دخل الناس الخوف من الموت ما انتفعوا بدنياهم.
مضرّة انقطاع الأمل
قيل: أعظم المصائب انقطاع الرجاء. و قيل لبزرجمهر: ما الذي يشدد البلاء على الناس؟فقال القنوط و الاستبسال، قيل: فما الذي يهوّنه عليهم، قال الرجاء و حسن الظن.
قال النظّام: كنا نلهو بالأماني و تطيب أنفسنا بها، فذهبت من بعد و انقطع الأمل.
بقاء الأمل و المنى ببقاء الحياة
قيل: لا ينقطع رجاء المرء ما لم تنقطع حياته. و قيل: الأمل يساوق الأجل.
قال علقمة:
و العيش شحّ و إشفاق و تأميل
و مثله:
العيش إن تجل عنه كلّه تعب # و المرء إن قرّ عينا كلّه أمل
قال بشار: الإنسان لا ينفك من أمل فإن فإنه عوّل على الأماني، فالأمل نفع نسيب، و الهوى لا يكون نسيبا و بابه مفتوح لمن يكلّف الدخول فيه.
[١] العاثر: الساقط و الهالك، و العاثر النفس من عثر الفرس إذا زلّ و كبا.