محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٧٢٩ - الصّائن بطنه عمّا يلزم منة أو مذمّة
حمد الطّوى و ذمّه
قال المغيرة بن شعبة: علّموا أولادكم الخفاف احملوهم على الطوى، لأن من اتبع أمرا لزمه، و من أكثر من تركه أجمه [١] . و قال الحارث بن كلدة: يى خير الدواء الأزم [٢]
و شر الدواء إدخال الطعام على الطعام. قيل ليوسف عليه السلام: لم تجوع و أنت على خزائن الأرض؟فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع. و قيل: ترك الأكل يضيق الأمعاء.
الصّابر على الجوع
قال:
و لقد أبيت على الطّوى و أظلّه # حتّى أنال به لذيذ المطعم
و خرج أبو خراش في سفر فعدم الطعام أياما، فمر بامرأة، فقال: هل من طعام فأتته بعمروس [٣] . فقالت: اذبحه فذبحه و سلخه ثم شواه، فلما وجد رائحة الشواء قرقر بطنه، فقال: أ تقرقر من رائحة الشواء يا ربّة البيت هل من صبر؟فأتته بصبر فاقتحمه و أتبعه بماء ثم ارتحل، و لم يأكل، و قال:
و إني لأثوي الجوع حتّى يملّني # فيذهب، لم تدنّس ثيابي و لا عرضي
و قال آخر:
و أغتبق الماء القراح و أنتهي # إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم [٤]
مخافة أن أحيا برغم و ذلة # و للموت خير من حياة على رغم
الصّائن بطنه عمّا يلزم منة أو مذمّة
قيل: أحسن بيت في هذا المعنى قول نهشل:
أغرّ كمصباح الدجنّة يتّقي # قذى الزاد حتّى يستفاد أطايبه
و قال:
إذا مطعمي كان ذا غصّة # غسلت يدي منه قبل اكتفائي
و قال آخر:
ألبان إبل تعلّة بن مساور # ما دام يملكها عليّ حرام
و طعام عمران بن أوفى مثلها # ما دام يسلك في البطون طعام
إنّ الذين يسوغ في أعناقهم # زاد يمنّ عليهم للئام
قال بعضهم: اكتريت من جمّال، فكان يحدو بنا بقول الشاعر:
أبلج بين حاجبيه نوره
[١] أجمه: حضره أو قرب منه.
[٢] الأزم: الإمساك عن الاستكثار من الطعام.
[٣] العمروس: الخروف.
[٤] اغتبق: أشرب في العشي-المزلّج: البخيل و الذي لا خير فيه.