محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٧٠٥ - الثّريد
و هذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر. و قال المسيح: ألحم [١] تأكل لحما، أف لهذا عملا.
و سئل بعض الرهبان عن تركه أكل اللحم، فقال: إنا رأينا الغوائل تتولّد من أكل اللحم، أ لا ترى أن أكلة اللحم من السباع هي أشد ضررا من أكلة الحشيش.
السكباج و الزّيرباج
يقال للسكباج: الخليّة و المخللة و الشمقمقة و الصفصاف لغة ثقيف، و سمّوه أم القرى. و لم يكن يطلق السكباج [٢] أن يطبخ في أيام الفرس إلا بخاتم من الملك و سئل بعضهم عنه، فقال: إنه يشفي العرم و يفتق الشهوة و يقدم في الثرائد و تزيّن به الموائد، تجيدها الخاصة و لا تغلط فيها العامّة.
قال الحجاج لطباخه: اتخذ لنا صفصفاة [٣] و أكثر فيجنها [٤] ، فلم يدر الطباخ ما عناه، فسأل ابن القرية، فقال: اتخذ سكباجة و أكثر سدابها.
و قال المنصور يوما لحظيّة له: إلى كم نأكل السكباج، يعرّض بها، فقالت: يا أمير المؤمنين هو مخ الأطعمة لا يملّ حارّها و لا يكره باردها، فاستحيا منها.
قال عبد الملك بن محمد بن إسماعيل:
و سكباجة تشفي السقام بطيبها # على أنّها جاءت بلون سقيم
إذا زارها أيدي الرجال تزاحمت # كأيدي نساء في ظلال نعيم
و قال بعضهم:
فتنتنا بريحها السكباجة # فتركنا من أجلها ألف حاجة
و أكل أعرابي القريش، فقيل له: ما أكلت قال: الفالوذج [٥] إلا أنكم هضمتموه بعد.
و قال بعضهم:
قدم طاهيك زيرباجه # و هي على الدّهر خير باجه
صبيغة الزعفران تحوي # أطائب الفرخ و الدجاجه
و قدم إلى طفيلي سكباجة بلا زعفران، فقال: ما لها خرجت متفضلة بلا لباس.
الثّريد
قيل لأعرابي: أي الطعام أطيب؟فقال: ثريدة دكناء من الفلفل رقطاء من الحمص
[١] لحم لحامة: كان شديد الشهوة في اللحم، و ألحم الرجل: كثر اللحم في بيته.
[٢] السكباج: مرق يعمل من اللحم و الخل.
[٣] الصفصافة: السكباجة.
[٤] الفيجن: السداب أو السّذاب و هو ضرب من البقل.
[٥] الفالوذج: حلواء تعمل من الدقيق و الماء و العسل و هي فارسية.