محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٢٣ - عذر من يعرف الشعر و لا يصوغه
و قال دعبل [١] : وردت قمّ و كان لي على أهلها رسم، فاتفق أن جاءني شعرور فأخذ يناكدني و يؤذيني، فازدريت به و زجرته فذهب و هجاني فقال:
في است دعبل بلابل # ليس يشفى لقابل
ليس يشفيه منه غير # أير بغل بكابل
فلهج الصبيان بذلك و صاروا يصيحون خلفي إذا رأوني ففررت من قمّ استحياء و ما عاودتها بعد.
معرفة نقد الشّعر
[٢]
قال أبو عمرو: انتقاد الشعر أشدّ من نظمه، و اختيار الرجل الشعر قطعة من عقله.
و قيل: إنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه.
و قيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على عقله. و قيل: كن على معرفة الشعر أحرص منك على حوكه.
و قال الفرزدق: لا يكون الشاعر متقدّما حتى يكون باختيار الشعر أحذق منه بعمله.
و قال أبو أحمد بن المنجم:
ربّ شعر نقدته مثل ما ينـ # قد رأس الصيارف الدينارا
و قال الأهوازي:
و يزعم أنه نقّاد شعر # هو الحادي و ليس له بعير
و قال آخر:
قد عرفناك باختيارك إذا كا # ن دليلا على اللبيب اختياره
عذر من يعرف الشعر و لا يصوغه
قيل لابن المقفع: لم لا تقول الشعر؟فقال: أنا المسنّ أسنّ الحديد و لا أقطع.
و قيل لأديب: أ شاعر أنت؟فقال: لا، و لكني بهم خابر. و قال الشاعر:
و قد يقرض الشعر البكيّ [٣] لسانه # و تعيي القوافي المرء و هو خطيب
و قيل لأبي عبيدة: لم لا تقول الشعر مع غزارة علمك و جودة فهمك؟فقال: لأن
[١] دعبل: هو دعبل الخزاعيّ، و كنيته أبو عليّ. و هو من شعراء الكوفة. اتصل بهارون الرشيد. و قد ولّي حكم سمجان من خراسان، ثم نقل إلى أسوان في مصر. و انتهى مقتولا بسبب هجائه بني العباس.
[٢] النقد: تمييز الدراهم لمعرفة الجيّد من الرديء المزيّف.
[٣] البكيّ لسانه: استعارة من قولهم: عين بكيّ و بكيّة و بكيته إذا قلّ دمعها.