محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٣٨ - تصحيفات متوالية إلى ما لا معنى له
(١١) و مما جاء في التصحيفات
النّهي عن أخذ العلم من الصحفي
قيل لا تأخذوا العلم من صحفي، و لا القرآن من مصحفي، و هجا بعضهم أبا حاتم فقال:
إذا أسند القوم أخبارهم # فإسناده الصحف و الهاجس
و قال أبو نواس في مرثية خلف [١] :
أودى جماع العلم مذ أودى خلف # فليذم من العياليم الخسف
رواية لا يجتنى من الصحف
المهجو بكثرة التصحيف
قيل: كيسان يمسخ على لسانه العلم ثلاث مرات، فإنه يكتب في ألواحه خلاف ما يسمع، و ينقل من ألواحه إلى الدفتر، خلاف ما يكتب، ثم يقرأ من الدفتر خلاف ما يكتب. و قال شاعر:
و لم يسمع النحو لكنّه # قرا منه شيئا و قد صحّفه [٢]
تصحيفات متوالية إلى ما لا معنى له
وجد معلم يلقن صبيا:
عفت الديار محلّها قمقامها # بمنى بأبد غولها فرجامها [٣]
و إنما هو:
عفت الديار محلّها فمقامها # بمنى تأبّد غولها فرجامها
قال الجاحظ: و مررت بمعلّم و هو يلقن صبيا:
يا أبا الفياش جثى # اخرج الفتيان غثا
لبش في الأرض أباس # شزنوا أيلج مثا
فقلت: بالعبرانية هذا؟قال: لا، هو بالعربية. فلما تأمّلته إذا هو مكتوب:
يا أبا العباس حبى # أخرج الفتيان عنّا
[١] خلف: أي خلف الأحمر و هو من أساتذة أبي نواس على درس صناعة الشعر.
[٢] قرا منه: أي قرأ منه بتخفيف الهمزة.
[٣] عفت الديار: امّحت آثارها-انظر معلقة لبيد بن ربيعة في شرح المعلقات العشر المذهّبات للتبريزي (دار الأرقم) .