محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٦٤ - من لم يتحاش من اليمين و لم يبال له
من لم يتحاش من اليمين و لم يبال له
حلف مديني على حقّ كان قبله، فقيل له في ذلك، فقال: باللّه أدفع ما لا أطيق، و أخذ ذلك ابن الرومي فقال:
و إنّي لذو حلف كاذب # إذا ما اضطررت و في المال ضيق
و هل من جناح على معسر # يدافع باللّه ما لا يطيق
و يقال في المثل: جذها جذ العير الصليانة إذا أسرع في اليمين، كأنه اقتلعها اقتلاع العير هذا النبت. جاءت امرأة بزوجها إلى ابن شبرمة فحلف لها، فلما ولي أنشد:
أ لم تعلمي أني جموح عنانه # و أنّي لا أعدي عليّ أمير [١]
محوت الذي في الصكّ عنّي بحلفة # سيغفرها الرحمن و هو غفور
فسمعها الحاكم فردّه، فعلم الأعرابي أنه أخطأ، فقال: أيها الحاكم أنت أفضل من أن ترجع في قضيتك، فقال: صدقت و لكنني أقضي عنك، و قضى عنه. قال البحتري:
سألوني اليمين فارتعت منها # ليغروا بذلك الارتياع [٢]
ثم أرسلتها كمنحدر السّيل # تهاوى من المكان اليفاع [٣]
و كان الشمّاخ عليه دين فقعد به، فقيل له: إنك تحضر القاضي و تحلف فتروع لذلك، فقال: حاش اللّه أن أحلف، و لو سيم مني باطل فكيف و عليّ حق لازم، فاغتر خصمه فأحضره و حلفه فحلف و خرج من عند الحاكم، فقال:
و جاءت سليم قضّها بقضيضها # تنفض حولي بالبقيع سبالها
يقولون لي احلف قلت لست بحالف # أخادعهم عنها لكيما أنالها
ففرّجت همّ النفس عنّي بحلفة # كما قدّت الشقراء يوما جلالها [٤]
و قال أعرابي:
إذا حلّفوني بالغموس منحتهم # يمينا كسحق الألحمي المحرق [٥]
و إن حلّفوني بالعتاق فقد درى # سحيم غلامي أنني غير معتق [٦]
قال ابن المعتز بودي لو أن لي بيت الخثعمي بألف بيت:
و آلت يمينا كالزجاج رقيقة # و ما حلفت إلا لتحنث من أجلي
[١] الجموح: المتمرد، الذي لا يردّه شيء.
[٢] الارتياع: الخوف.
[٣] اليفاع: ما ارتفع من الأرض.
[٤] قدّت جلالها: تزيّنت و جملت.
[٥] اليمين الغموس: الكاذبة.
[٦] عتقت اليمين عليه: قدمت و وجبت.