محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦١٩ - اعتبار ديانة المرء بزهده في المال و حرصه عليه
جربانات عراض، فسألوه أن يحدثهم فامتنع، فقام مغضبا، فقال الفضيل: ردّوه فردّوه، فقال: بلغنا أن عيسى صلوات اللّه عليه قال: تحببوا إلى اللّه ببغض أهل المعاصي و تقربوا إليه بالتباعد عنهم و التمسوا رضاه بسخطهم، فقيل: يا روح اللّه فمن نجالس؟فقال: من تذكركم اللّه رؤيته و يزيد في علمكم منطقه و ترغبكم في الآخرة مجالسته، قم فقد حدثتك.
متزهّد اضطرارا لا اختيارا
قيل لرجل: أ زهدت؟فقال: زهدي اضطراري.
قال الموسوي:
زهدت و زهدي في الحياة لعلّة # و حجّة من لا يبلغ الأمل الزهد
و له:
قالوا أتقنع بالدّون الخسيس و ما # قنعت بالدّون بل قنّعت بالدّون [١]
أخي من باع دنياه و زخرفها # بصوفة كان عندي غير مغبون [٢]
و قال ابن الرومي:
أنا الرجل المدعو عاشق فقره # إذا لم تكارمني صروف زماني [٣]
و قال بعضهم:
إذا المرء لم يقدر له ما يريده # تحمّل ما يقضى له شاء أم أبى
و هذا نحو: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.
اعتبار ديانة المرء بزهده في المال و حرصه عليه
روي في الخبر: لا تنظروا إلى صوم الرجل و صلاته و انظروا إلى طمعه إذا أشرف.
و في عكس ذلك، قيل لعمر بن عبد العزيز: فلان عفيف عن الدراهم، فقال: الشيطان أعف منه لا يمس قط درهما و لا دينارا.
[١] قنع: رضي-قنّع: ألبس.
[٢] غير مغبون: غير مخدوع.
[٣] صروف الزمان: مصائبه.