محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٥ - ذمّ الكثير منه
و قيل: في قوله تعالى: أو أثارة من علم، أنه الأسانيد.
ذمّه
طلب رجل من الحسن إسناد حديث فقال: و ما تصنع به؟و قد نالتك عظته و قامت عليك حجته. و قيل لرجل: كتبت حديثا بغير إسناده، قال: إني أريده للعمل لا للتسوّق و التجمّل.
و سأل رجل آخر عن إسناد شعر فقال: و اللّه ما تركت الحديث إلا بغضا للإسناد و أنت تسألنيه في الأشعار.
مدح النحو
النحو نصاب العلم و نظامه و عموده [١] و قوامه و وشي [٢] الكلام و حلّته و جماله و زينته.
و قيل: النحو يرفع الوضيع و يخفض الرفيع. و كان معلم الرشيد يضرب على الخطأ واحدا و على اللحن سبعا.
ذمّه
نظر بعض الرؤساء إلى ابنه، و هو ينظر في كتاب سيبويه [٣] فقال: أفّ [٤] لك علم المؤدّبين و همّة المحتاجين. و قيل: من كثرت عليه العربية أظلمت عليه الرويّة.
و قيل: إذا كتبت كتابا فالحن فيه فإنّ العربية مجدودة. و ممّا يتّصل بهذا الباب أنّ بعض الفصحاء كان يدخل على بعض عمال البصرة، و هو يعرب [٥] في كلامه، فقال له يوما: إن لم تترك الإعراب ضربتك، فقال: إني إذا أشقى الناس، به ضربت صغيرا لأتعلّم و ضربت كبيرا لأترك.
ذمّ الكثير منه
ذكر النحو عند المأمون [٦] فقال: علم يغنيك أدناه عن أقصاه. و قال أبو حنيفة:
المكثر من النحو كالمكثر من غرس شجر لا يثمر. و قيل: النحو ملح العلم و متى استكثر من الملح في الطعام فسد.
و ذكر أهل النحو عند بعض البلغاء فقال: أغزرهم علما أنزرهم فهما.
[١] عمود العلم: أي ركنه و قاعدته.
[٢] الوشي: الزخرفة و الزينة.
[٣] سيبويه: من علماء البصرة و أطولهم باعا في علم النحو و هو رأس المذهب المعروف باسم مذهب البصريين أهم آثاره «الكتاب» في النحو. مات سيبويه سنة ١٥٤ هـ (٧٧٠ م) .
[٤] أفّ: اسم فعل بمعنى أتضجّر.
[٥] أعرب يعرب في كلامه: تكلّم مراعيا قواعد الإعراب.
[٦] المأمون: من كبار الخلفاء العبّاسيين (١٧٠ هـ ٧٨٦ م) - (٢١٩ هـ-٨٣٣ م) و هو ابن هارون الرشيد.
كانت أمه فارسيّة و اسمها مراجل: تبنى مذهب المعتزلة و جعله مذهب الدولة الرسمي و اختبر العلماء انطلاقا من قواعده و أصوله.