محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣١٤ - الفضائل مقتضية للحسد
قال ابن أبي عيينة:
كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى # و تزول غير شماتة الحسّاد
قال الخبزارزي [١] :
شماتتكم لي فوق ما قد أصابني # و ما بي دخول النار بل طنز مالك [٢]
الحسد يظهر فضل المحسود
قال البحتري:
و لن يستبين الدهر موضع نعمة # إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
و قال أبو تمّام:
و إذا أراد اللّه نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود
لو لا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود [٣]
و في مثله:
يبين فضل الشيء من عاداه [٤]
و قال:
فضل الفتى يغري الحسود بسبّه # و العود لو لا طيبه ما أحرقا [٥]
الفضائل مقتضية [٦] للحسد
قيل: لا يفقد الحسد إلا من فقد الخير أجمع، فمنبع الحسد مقرّ النعمة.
قال شاعر:
و حذاء كل مروءة حسّادها [٧]
قال البحتري:
و ليس يفترق النعماء و الحسد
و قال آخر:
و ترى الكريم محسّدا لم يجترم # شتم الرجال و عرضه مشتوم
[١] الخبزارزي: هو نصر الخبزارزيّ من شعراء الغزل في البصرة في القرن الثالث الهجري. سمّي بالخبزارزيّ لأنه كان يخبز الأرز بمربد البصرة. و مع أنه كان أميا فقد كان غزله مشهورا يتناقله النّاس مات سنة (٩٣٨ م) .
[٢] الطنز: السخرية.
[٣] العرف: الرائحة، و لا سيما الرائحة الطيّبة.
[٤] يبين: يظهر و يكشف.
[٥] العود: أي عود البخور.
[٦] مقتضية: موجبة.
[٧] حذاء كلّ مروءة: ما هو بحذائها أي بإزائها.