محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٣٩ - المتخلّق يرجع إلى شيمته
صعوبة ترك العادة و الرجوع عنها
قيل: للعادة على كل إنسان سلطان، و كل امرئ جار على ما تعوّدا، و قيل: لكل كريم عادة يستعيدها، و قيل: اللسان متقاضيك ما عودته. قال المتنبي:
و تأبى الطّباع على الناقل.
و قالت الحكماء العادة طبيعة ثانية.
نفي العيب عن تعاطي ما كان خلقا
قال بعض القدماء:
ظلمت امرأ كلّفته غير خلقه # و هل كانت الأخلاق إلا غرائزا [١]
قال الخبزارزي:
يعاب الفتى فيما أتى باختياره # و لا عيب في ما كان خلقا مركّبا
المتخلّق يرجع إلى شيمته
قال عمر رضي اللّه تعالى عنه من تخلّق للناس بما ليس خلقا له شأنه اللّه و في كتاب كليلة: الطبع المتكلّف كلما زدته تثقيفا زادك تعقيفا [٢] . و قيل: كل إناء يرشح بما فيه. و قال إن التخلق يأبى دونه الخلق.
قال ذو الإصبع [٣] :
و من يبتدع ما ليس من خيم نفسه # يدعه و يغلبه على النفس خيمها [٤]
قال زهير [٥] :
و مهما تكن عند امرئ من خليقة # و إن خالها تخفى على النّاس تعلم [٦]
و قال آخر:
و للنفس أخلاق تدلّ على الفتى # أ كان سخاء ما أتى أم تساخيا
[١] الغرائز: جمع غريزة و هي الطبيعة أو ما فطر عليه المرء.
[٢] التعقيف: الاعوجاج، من عقّف العود عطفه و عوّجه.
[٣] ذو الإصبع: هو حرثان بن الحدث من شعراء الجاهلية الأوائل، و أحد الفرسان الشجعان. سمّي بذي الإصبع لأن حيّة عضّت إصبعه أو نهشته فصارت متشنّجة. مات ذو الإصبع في مطلع القرن السابع الميلادي.
[٤] الخيم: السجيّة و الطبيعة.
[٥] زهير بن أبي سلمى: (ت ٥٣٠؟-٦٢٧ م) شاعر جاهلي من أصحاب المعلّقات. اشتهر بالحكمة.
[٦] يقول زهير إن أخلاق المرء و سجاياه ستعلم و تظهر على حقيقتها و لا جدوى من إخفائها أو التستر عليها.