محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٦٤ - الحثّ على قبول النّصح و إن كان مرّا
و قال الشاعر:
لا تكتمنّ داءك الطبيبا # و لا الصّديق سرّك الهجوبا [١]
و سارر المهدي وكيلا له، و العبّاس بن محمد حاضر، فقال: اسردوني و لو هجم بي نصحك على تلفى لما تركته، و أنشد:
بمثلى فاشهد النجوى و عالن # بي الأعداء و القوم الغضابا
و كتب أبو الفضل بن العميد: من كتم عن طبيبه داءه، و ستر عنه ظمأه بعيد عليه أن يبلّ عن علله و يعلّ من غلله.
المتبجّح بإظهار أسرار أصدقائه
قال الشاعر:
و لا أكتم الأسرار لكن أنمّها # و لا أترك الأسرار تغلي على قلبي
و إنّ قليل العقل من بات ليلة # تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب
و قال رجل لصديق له: اكتم سرّي الذي أفشيته، فقال: كلا لست أشغل قلبي بنجواك و لا أجعل صدري خزانة شكواك فيقلقني ما أقلقك، و يؤرّقني ما أرّقك، فتبيت بإفشائه مستريحا، و يبيت بحرّه قلبي جريحا، و قال الشاعر:
و لا تودع الأسرار قلبي فإنّما # تصبنّ ماء في إناء مثلم [٢]
(١٥) و ممّا جاء في النّصح
فضل النّصح و الحثّ عليه
قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: الدّين النصيحة، و قال صلى اللّه عليه و سلم: من غشّنا فليس منّا، و قال صلى اللّه عليه و سلم: دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصحك أخوك فانصحه، و قال أوس [٣] :
و إن قال لي ما ذا ترى يستشيرني # فلم يك عندي غير نصح و إرشاد
الحثّ على قبول النّصح و إن كان مرّا
قيل: من أحبّك نهاك، و من أبغضك أغراك.
[١] السرّ الهجوب: الذي يخرق و يقطع به.
[٢] الإناء المثلم: المشقوق الذي لا يحفظ ما يصبّ فيه.
[٣] أوس: هو أوس بن حجر من شعراء الجاهلية الأوائل و سبقت الإشارة إليه (انظر مقدّمة ديوان أوس بن حجر، منشورات دار الأرقم) .