محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥١٥ - شكاية من لا يعوده إخوانه
و دخل الحسن بن علي رضي اللّه عنهما على عليل، فقال: إن اللّه قد أقالك فاشكره و ذكرك فاذكره.
و اعتلّ جعفر بن محمد عليهما الرضوان، فقال: اللهمّ اجعله أدبا لا غضبا، و قال عليه السلام: إن المريض تتحات [١] عنه خطاياه كما يتحات ورق الشجر.
و ذكرت الأدواء عند أبي الدرداء، فقال رجل ما اشتكيت قط، فقال: لا جرم أن ذنوبك لم تحطّ عنك.
وجوب عيادة المريض
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: حق المسلم على المسلم ثلاث: عيادة المريض و تشميت العاطس و تشييع الجنازة.
و قال صلّى اللّه عليه و سلم: من عاد مريضا خاض الرحمة فإذا قعد عنده استنقع فيها، و إذا خرج من عنده خاض الرحمة. و قيل: عيادة المريض يعد ثلاث. و في الخبر: عودوا مرضاها و شيعوا هلكاها و عزوا ثكلاها.
أدب عيادة المريض
قيل: سوء العيادة تلقيح العلّة. و قال الفضل بن الربيع: لا تقولوا كيف أمير المؤمنين و لا تسألوه عن حاله فتكلّفوه الجواب، و لعله يثقل عليه الكلام، و لكن اجعلوا مسألتكم الدعاء له، و قولوا بدل كيف يجد أمير المؤمنين نفسه؟، أنزل اللّه عليه الشفاء و الرحمة. قال شاعر:
حقّ العيادة يوم بعد يومين # و جلسة لك مثل اللحظ بالعين [٢]
لا تبرمنّ مريضا في مساءلة # يكفيك من ذاك تسأل بحرفين [٣]
و دخل قوم على السرى السقطي رحمه اللّه، و هو عليل، فأطالوا الجلوس و قالوا:
ادع لنا، فقال: ارفعوا أيديكم و قولوا اللهمّ اجعلنا ممّن علّمتهم عيادة المرضى.
و دخل قوم على مريض فأطالوا ثم قالوا أوصنا، فقال أوصيكم أن لا تطيلوا الجلوس عند المريض إذا عدتموه. و دخل ثقيل على مريض فأطال الجلوس، ثم قال: ما تشتكي؟ قال: قعودك عندي:
شكاية من لا يعوده إخوانه
قال جحظة البرمكيّ:
مرضت فلم يكن في الأرض حر # يشرفني ببرّ أو سلام
[١] تتحات: تتساقط.
[٢] مثل اللحظ بالعين: أي أن تكون الزيارة خاطفة.
[٣] لا تبرمن: من برم: ضجر.