محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٨٥ - مستعف مقرّ بالذنب
أقرّ بذنبك ثم اطلب تجاوزنا # عنه فإنّ جحود الذنب ذنبان [١]
قيل: يجب للحازم أن لا يتقدّم غفرانه تعريف الجاني ما جنى لئلا ينسب عفوه إلى الغفلة و كلال حدّ الفطنة.
سوء الاعتذار دليل على الإصرار
قال:
لا ترجع رجعة مذنب # خلط احتجاجا باعتذار
و قال آخر:
فلا أنت أعتبت في زلّة # و لا أنت أغليت في المعذرة [٢]
حسن العفو عن المصرّ
سمع حكيم رجلا يقول: ذنب الإسرار أولى بالاغتفار. فقال: صدق اللّه ليس فضل من عفا عن السهو القليل، كمن عفا عن العمد الجليل.
مستعف مقرّ بالذنب
قال ابن المعتز [٣] في كلام له: تجاوز عن مذنب لم يسلك بالإقرار طريقا حتى اتخذ من رجائك رفيقا، و قال الفضل بن مروان لرجل عاتبه: بلغني أنك تبغضني فلم ينكر الرجل، و قال: أنت كما قال الشاعر:
فإنك كالدّنيا نذمّ صروفها # و نوسعها ذمّا و نحن عبيدها [٤]
قال أبو فراس:
إن لم تجاف عن الذنو # ب وجدتها فينا كثيرة
لكن عادتك الجميلة أن تغض على الجريرة [٥] . أتى المنصور برجل أذنب فقال: إنّ اللّه يأمر بالعدل و الإحسان فإن أخذت في غيري بالعدل فخذ فيّ بالإحسان، فعفا عنه. قال شاعر:
إنّ للاعتذار حظّا من العفـ # و يراه المقرّ بالإنصاف
[١] الجحود: الإنكار و الحقوق-يقول: إنّ عدم الاعتراف بالذنب يجعله مضاعفا، و لكن الإقرار به يمحوه حتى قيل: من أقرّ بذنبه كمن لا ذنب له.
[٢] أغليت في المعذرة: بالغت.
[٣] ابن المعتزّ: أبو العبّاس عبد اللّه (٨٦١-٩٠٨) أمير عبّاسي. شاعر و أديب ولي الخلافة يوما و بعض يوم بعد خلع المقتدر و لقّب بالمرتضي باللّه. مات خنقا. له «طبقات الشعراء» و كتاب «البديع» . اشتهر بوصفه المبتكر و وافر علمه و سلامة ذوقه و نقده.
[٤] صروف الدنيا: مصائبها و نوائبها.
[٥] الجريرة: الذنب و الجناية.