محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤١ - مدح التثبّت
ذمّهما
قال اللّه تعالى: اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ ، و قال شيخ لرجل: أظنّك كاذبا فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه، و قال:
و أضعف عصمة عصم الظّنون
و قال المتنبّي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه # و صدّق ما يعتاده من توهّم [١]
مدح التغافل
سئل حكيم: ما اللبيب؟فقال: الفطن المتغافل. و لما أمضى معاوية بيعة يزيد قال:
يزيد: يا أبت ما أدري أ نخدع النّاس أم يخدعوننا بما يأخذون منّا؟فقال: يا بنيّ من خدعك فانخدعت له فقد خدعته. و قيل: إذا أردت لباس المحبّة فكن عالما كجاهل.
و قيل: من تغافل فعقلوه، و من تكايس فطبطبوه أي العبوا به على الطبطابة.
قال الشاعر:
ليس الغنيّ بسيّد في قومه # لكنّ سيّد قومه المتغابي [٢]
و لأبي فراس و قد أجاد:
تغابيت عن قومي فظنّوا غباوتي # بمفرق أغبانا حصى و تراب [٣]
من لا يخدع لعقله
قال عمرو بن العاص: ما رأيت أحدا كلّم عمر رضي اللّه عنه إلا رحمته لأنه كان لا يخدع أحدا لفضله، و لا يخدعه أحد لفطنته. و قال أياس بن معاوية:
لست بخبّ و لا الخبّ يخدعني [٤]
و قيل لرجل: -فيك فطنة، فقال: ما ذنبي إذ خلقني اللّه عاقلا.
مدح التثبّت
قال الشعبيّ: أصاب متأمل أو كاد، و أخطأ مستعجل أو كاد. و قال عمرو بن العاص:
لا يزال المرء يجني من ثمرة العجلة الندامة. و روى عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: ما دخل الرفق في شيء إلا زانه [٥] و لا الخرف إلا شأنه [٦] .
[١] يذهب المتنبي إلى أن سوء الظنّ نابع من سوء الفعال، فالخائن لا يمحض الناس ثقته و اللص يتهم سواه باللصوصيّة.
[٢] المتغابي: الذي يتظاهر بالغباء من قبيل الحذر و الاحتراس.
[٣] تغابيت: تظاهرت بالغباوة.
[٤] الخبّ: الخدّاع.
[٥] زانه: جمّله و زيّنه.
[٦] شانه: عابه.