محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٨٦ - من رأى فأل سوء فصرفه إلى حسن بتأويله
النهروان، فلما دخلت عليه رأيته مغتمّا فقال: يا عمّ أما ترى هذا الباغي عليّ فقلت: دعه و بغيه، فالبغي يردى صاحبه. فقال: فيم أداوي ما خامرني؟فقلت: تأمر باحضار أبي نواس فإنه فتّاح لهذه الأبواب، فاستحضره و سأله فقال:
إذا ما ضاقك الغمّ # فضع في الرأس أقداحا [١]
فإنّ الهمّ إن طاحت # به مشمولة طاحا [٢]
فدعا برطل و جارية تغني، فسألها: ما اسمك؟قالت: شرّ، و غنّت بقول الشاعر:
كليب لعمري كان أكبر ناصرا # و أكبر حزما منك ضرّج بالدم
فرمى بالرطل و أمر بالجارية فالقيت في دجلة، و دعا أخرى فغنّت:
هموا غدروه كي يكونوا مكانه # كما غدرت يوما بكسرى مرازبه [٣]
فرمى بها أيضا، و دعا بأخرى فغنّت بقول الشاعر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا # أنيس و لم يسمر بمكة سامر [٤]
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا # صروف الليالي و الجدود العواثر [٥]
فاغتمّ اغتماما عظيما فتطلع على دجلة فإذا برجل يقرأ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان. فاستحكم تطيره. فقلت: يا أمير المؤمنين قد نهى النبي صلى اللّه عليه و سلم عن التطير فقال:
هبني لا أتطير بالشعر أما أتفاءل بالقرآن فما انقضى الأسبوع إلا و قد نزلت به النازلة.
من رأى فأل سوء فصرفه إلى حسن بتأويله
خرج جعفر بن سليمان إلى المدينة واليا بها فتعلّقت شجرة بلوائه فتطيّر بذلك. فقال من كان معه: هذا عملك تشبّث بك فسرّي عنه.
و سار خالد بن يزيد إلى ولاية الموصل فانكسر اللواء فحزن لذلك، فقال أبو الشّمقمق:
ما كان مندقّ اللواء لريبة # تخشى و لا أمر يكون مبدلا
لكنّ هذا الرمح ضعف متنه # صغر الولاية فاستقلّ الموصلا
[١] ضمّ أقداحا: كناية عن الشرب أو الإدمان على الخمر.
[٢] طاحت به: طرحته-المشمولة: الخمر.
[٣] المرازب: جمع مرزبان و هو الرئيس عند الفرس.
[٤] الحجون: جبل بأعلى مكّة، عنده مدافن أهلها و قيل هو الجبل بمكّة عند المحصّب (معجم البلدان لياقوت) -الصفا: أحد جبلين بين بطحاء مكّة و المسجد، و الآخر المروة و السعي بين الصفا و المروة من شعائر الحج (انظر معجم البلدان لياقوت) .
[٥] الجدود: الحظوظ-العواثر: الجدّ العاثر السيئ.