محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٥١ - المفتتن منهم بامرأة تحاكمت إليه
من أبناء العشر، فيأخذ أحد أبويه رأسه و الآخر رجليه و تذبحه على جرحك فتشرب دمه بطيب نفس منهما.
و قالوا: قد تحققنا أنه لا يوجد.
فقال: اطلبوا من يأتيني بابن هكذا فأمر فنادوا في البلدان.
فاتفق أنّ رجلا كان إذا ولد له ولد و بلغ عشر سنين يموت لا محالة و كان فقيرا و كان له ابن شارف العشر. فقال لامرأته: تعالي نحمل هذا الابن إلى الملك و نأخذ المال، فإنّ هذا يموت لا محالة. فرضيا بذلك و حملاه إليه و أخذ أحدهما برأسه و الآخر برجليه و أخذ الملك السكين فلما همّ بذبحه ضحك الصبي، فقال الملك: ممّ تضحك و أنت مقتول فقال: رأيت الصبي أجنى الخلق عليه، أمه ترضعه و تقيه بنفسها ثم أبوه يحميه و إذا كبر فالملك يتولى أمره و قد رأيتكم ثلاثتكم اجتمعتم على قتلي، فإلى من المشتكى؟فتوجع الملك لقوله و رمى بالسكين فانفجر جرحه لما دهمه و برأ، فخلى سبيل الصبي و تبنّاه، و قال رجل لقاض لئن هملجت [١] إلى الباطل إنك عن الحق لقطوف.
النّهي عن التعرّض للقضاة
قيل: لا تعادوا القضاة فيختاروا عليكم الأقاويل و لا العلماء فتضع عليكم المثال.
المفتتن منهم بامرأة تحاكمت إليه
خاصمت امرأة صبيحة زوجها إلى الشعبيّ [٢] ، فمرت بالمتوكل الليثيّ في منصرفها و قد قضى لها على زوجها، فقال:
فتن الشعبيّ لمّا # رفع الطرف إليها
فتنته ببنان # و بخطّي حاجبيها
فقضى جورا على الخصم # و لم يقض عليها
كيف لو أبصر منها # نحرها أو ساعديها [٣]
لصبا حتى تراه # ساجدا بين يديها [٤]
فولع الناس بهذه الأبيات و تناشدوها، حتى اضطر الشعبيّ إلى الاستعفاء من القضاء.
و قدّم رجل امرأة حسنة النقيبة [٥] إلى القاضي فقال: يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة
[١] هملجت: سارت سيرا حسنا.
[٢] الشعبيّ: هو عامر بن شراحيل المتوفّى سنة ١٠٣ هـ (٧٢١ م) ، و هو راوية من التابعين عاش في الكوفة كان مقربا من الخليفة عبد الملك بن مروان.
[٣] النّحر: الجيد، العنق.
[٤] صبا يصبو صبوّا: مال إلى الصبوة أي جهلة الصبيان فهو صاب و صبا صبوة إليه (أو إليها) : حنّ...
[٥] النقيبة: النفس و الطبيعة و قوله حسنة النقيبة مثل قولهم ميمون النقيبة أي محمود المختبر.