محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٩ - جودة الحفظ و ذكر الحفّاظ
وصف فنون من العلم
قيل: علم الملوك النسب و الخبر و الشعر، و علم السلطان المغازي [١] و السير و علم التجار الحساب، و علم الكتاب معرفة الخط و تصريف اللغات.
و قيل العلوم ثلاثة: علم الدين لمعادكم [٢] و علم الطب لأبدانكم، و علم الهندسة لمعاشكم.
و قيل تعلّموا الفقه لأديانكم و الطب لأبدانكم و النّحو لبيانكم.
متبجّح باستيعاب العلم
قال ابن المنجّم: أحبّ أن ألقى عديّ بن الرقاع [٣] فأقول له: أ لست القائل:
و علمت حتى ما أسائل واحدا # عن علم واحدة لكي أزدادها
ثم أريه أنه قد جهل كل علم إلا قوله الشعر الذي يتقدمه عليه غيره ثم أحسن أدبه و أعرك أذنه.
و لكشاجم [٤] في معناه:
و ما زلت أبغى الشعر من حيث يبتغى # و أفتنّ في أفنائه أتعرّفه
فقد صرت لا ألقى الذي أستزيده # و لا يذكر الشّيء الذي لست أعرّفه
و هذا من الإعجاب المفرط و الجهل بفنون العلم، و كفى دلالة بقلة معلوم الورى قوله تعالى: وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً [٥] .
جودة الحفظ و ذكر الحفّاظ
قيل: فلان أحفظ بما يسمعه من الرمل للماء. و هذا أثبت من صدره من الحمد للّه.
و لمّا نزل قوله تعالى: وَ تَعِيَهََا أُذُنٌ وََاعِيَةٌ [٦] ، قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: لعلّي سألت اللّه أن يجعلها أذنك يا عليّ فلم يسمع بعد ذلك شيئا إلا حفظه.
و قيل: كان عمرو بن هبيرة [٧] يضبط حساب العراق و هو أميّ.
[١] المغازي: علم مناقب الغزاة و فعالهم.
[٢] المعاد: اليوم الآخر أو يوم البعث و النشور.
[٣] عديّ بن الرقاع: شاعر من أهل دمشق، عاش في مطلع القرن الثامن للميلاد، و اتصل بالوليد بن عبد الملك و مدحه.
[٤] كشاجم: هو أبو الفتح محمود السنديّ، و كان طبّاخ سيف الدولة و كان كشاجم هندي الأصل و يتعاطى التنجيم و له كتاب أدب النديم.
[٥] القرآن الكريم: الإسراء/٨٥.
[٦] القرآن الكريم: الحاقة/١٢.
[٧] عمرو بن هبيرة: من عمّال الخراج على العراق.