محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١١ - الراغب الأصفهاني و كتابه «محاضرات الأدباء»
و ما يدور في فلكها من الكلام على الأطعمة و المشارب، تخلصا إلى الندماء و مجالس اللهو و الغناء، انعطافا إلى مراتع الوجدان في دائرة الغزل و الهوى و العشق، دون أن يسقط من ثنايا كتابه فضيلة الشجاعة و ما كان يدور في فلكها من مواقف الحرب و الصلح و الثأر و دفع الديات عند العرب، معرّجا إلى موضوع الزواج و حيثيّاته و سياسة الرجل المرأة و مسائل الغيرة و الطلاق.
و يستكمل الراغب فيما تبقى من هاتيك الحدود كلّ ما يمسّ واقع الإنسان في بيته و ديانته فيتحدث عن الرياش و الملابس و العبادات و يخوض في مسائل العقيدة فيشتمل عرضه على قضايا الإيمان و الزهد و التصوف و النبوّة مرورا بالإسلام و القرآن و أسباب التنزيل.
و يتبع شئون الحياة بالكلام على الموت، و يجول عبر الزمان و المكان فيلوّن كتابه بزخارف شيّقة تنساب عبر فصول الطبيعة و نباتها و أزاهرها و حيوانها من وحش و طير و هوام، ثم تراه يذهب بعيدا فيحدث عن الأفلاك و النجوم و السحب انتهاء إلى جملة من النوادر و الحكم.
فكتاب «المحاضرات» وجه يكاد يكون فريدا في بابه بين كتب الطرائف و الحكايات، لأنه يمتاز بالشمولية و العمق و تلفّه روح العلم و تهيمن عليه هواطل من معطيات الوجدان و العقل. إنّه بحقّ سفر جامع بين الجدّ و اللهو و الأخبار و الملح الأدبية و كأن الراغب يحدّد به صفات النديم و ثقافته إذ يقول:
«و من لا يتحلّى في مجلس اللهو إلا بمعرفة اللغة و النحو كان من الحصر صورة ممثلة أو بهيمة مهملة. و من لا يتتبع طرفا من الفضائل المخلدة على ألسنة الأوائل كان ناقص العقل. فالعقل نوعان: مطبوع و مسموع، و لا يصح أحدهما إلا بالآخر» .
و كأني بكتاب المحاضرات كما أراده الراغب، قمة أدب المؤانسة و المجالسة حتى عصره و في ضوئه وضع شهاب الدين الأبشيهي كتابه «المستطرف في كل فن مستظرف» و في بابه نجد «طرف الألباب و تحف الأحباب» لليافعي و «طرف المجالسة و ملح المؤانسة» لابن المرابط و عشرات التصانيف المماثلة.
و الكتاب فضلا عمّا تقدّم معرض فكري شيّق لم يدع مفردة من مفردات الواقع الإنساني، إلا تتبعه في دواوين الشعراء و كتب الأمثال و خواطر الحكماء و الأدباء، و هو يتميّز بالطلاوة و الإيجاز و البعد عن الهذر، مع أمانة في العرض، و روح واقعية، تجعله في منأى عن أي إسفاف أو تبذل، و بعيدا أيضا عن التلفيق أو التصنع فهو لا يتستر على عيب، و لا يتردد في سوق الشواهد على ما فيها أحيانا من الركة أو السخرية أو الابتذال و البذاءة، ما دامت ترمي إلى الإمتاع و المصارحة و المكاشفة.