محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٧٠٩ - الدّماغ و المخّ
فأوحى اللّه تعالى إليه أن أطبخ اللحم بالبرّ و كل، فإني قد جعلت القوة فيهما قال ابن الرومي:
هلمّ إلى من عذبت طول ليلها # بأضيق حبس في تنّور تعذّب
و قال آخر:
و قد ضربت حدّين و هي بريئة # فقوموا إلى دفن الشهيدة تؤجروا
و قيل: الهريسة أوطأ فراش هيئ لنبيذ. و للخوارزمي:
هل تنشطون لتنوريّة خنقت # من أول الليل حتّى قلبها يجف
كأنّها و هي فوق الجام قد غرقت # في دفنها، قمر بالشمس ملتحف
أو درهم فوقه الدينار منطبق # أو لوح عاج على الزرياب مكتنف [١]
و قال أبو طاهر المأموني:
درّ نثير أسلاكه قطع # في ماء ورد و صندل نقعا [٢]
الرءوس
كان الثوريّ يعجب بالرءوس و يسمّيها مرة عرسا لما تجمع من الألوان المختلفة الطيّبة، و مرّة الجامع، و مرّة الكامل و يقول: هو شيء واحد ذو ألوان عجيبة و أطعمة مختلفة. و قيل لأعرابي: تحسن أكل الرءوس؟فقال: نعم، أبخص عينيه و أقلع أذنيه و أفك لحييه و أشجّ شدقيه و أرمي بالعظم إلى من هو أحوج إليه منّي.
و دعا بعضهم آخر إلى دعوته، و قال: عندي رغف خوّارة و رءوس فوّارة. و دعي رجل إلى أكل الرءوس، فلما قام قال: أطعمكم اللّه من رءوس أهل الجنة. و قال ابن الرومي:
هام و أرغفة و ضاء ضخمة # قد أخرجا من فاحم فوّار
كوجوه أهل الجنّة ابتسمت لنا # مقرونة بوجوه أهل النّار
الدّماغ و المخّ
قيل: أضرّ الأطعمة للبدن الدماغ، فإنه يعلق بالمعدة و يتغرى ما بين غضونها، فلا يدخلها غداء و لا دواء إلا زلق عنها. و العرب تكره أكل المخ و تتعير به، و ذلك قول الشاعر:
و لا ننتفي المخّ الذي في الجماجم
قال الأصمعي: كان أعرابي في يده عظم و عنده ثلاثة بنين، فقال للأكبر: إن أعطيتك هذا العظم ما تصنع به؟قال: أتعرّقه حتى لا أدع لذرّ فيه مقيلا، قال الأوسط: أتعرّقه حتى لا يدري أ هو لعامنا أم لعام أول، فقال الأصغر: أتعرّقه ثم أتمشّشه ثم أدقّه فأستفه، فقال:
[١] الزرياب: الذهب، و الأصفر من كلّ شيء.
[٢] الصندل: جنس شجر هندي خشبه طيّب الرائحة.