محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٦٣ - الحثّ على إنفاق المال و أنه لا يبقى
أخذه الشاعر، فقال:
مالك للدهر غير شكّ # إن لم تبادر به انتكاثه [١]
أو لنسيب قريب رحم # إن متّ أضحى له وراثه
أنفقه من قبل ذين تغنم # و لا تكن أعجز الثلاثة
و قال الحسن بن عليّ رضي اللّه عنهما: يا بني لا تخلف وراءك شيئا فإنما تخلفه لأحد رجلين، رجل عمل فيه بطاعة اللّه فيسعد بما شقيت به، و رجل عمل بمعصيته فكنت عونا له. و ليس أحد هذين حقيقا على أن تؤثره على نفسك.
قال أبو الشيص:
يقول الفتى ثمّرت مالي و إنّما # لوارثه ما ثمّر المال كاسبه
يحاسب فيه نفسه في حياته # و يتركه نهبا لمن لا يحاسبه
و قال آخر:
إنما مالي ما أنفقته # و الذي أتركه للورثة
و قال آخر:
أبقيت مالك ميراثا لوارثه # فليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال تسرّهم # فكيف بعدهم حالت بك الحال [٢]
و قال أبو العتاهية:
و من الحزم أن أكون لنفسي # قبل موتي فيما ملكت وصيّا
النّهي عن ادّخار المال للأعقاب.
قيل لعمر بن عبد العزيز: أوص بابنك، فقال: أوصيت به إلى من أنزل الكتاب و هو يتولى الصالحين. و كان محمد بن كعب أصاب مالا، فقيل له ادخره لولدك من بعدك، فقال: لا و اللّه أدخره لنفسي و أدخر ربي لولدي. أخذه محمود، فقال:
و قالوا ادّخر ما حزته و جمعته # لعقبك إن الحزم أدنى من الرّشد [٣]
فقلت سأمضيه لنفسي ذخيرة # و أجعل ربّي الذخر للأهل و الولد
الحثّ على إنفاق المال و أنه لا يبقى
قال حاتم:
أ ماوي إن المال غاد و رائح # و يبقى من المال الأقاويل و الذكر
[١] الانتكاثة: مصدر نكث العهد إذا نقضه و النكيثة الخطّة الصعبة-تبادر: تسرع و تعجّل.
[٢] حالت بك الحال: تغيرت و تبدّلت.
[٣] لعقبك: لولدك.