محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٤٤ - من خيّر فتلطّف في الاختيار
ذمّ طالب كثيرا بعد أن حرم صغيرا
سأل رجل معاوية شيئا فمنعه، فسأله ما هو أكبر منه، فقال معاوية: طلب الأبلق العقوق فلما لم ينله أراد بيض الأنوق [١] ، و قال:
شرّ ما رام امرؤ ما لم ينل
و يقاربه:
تسألني برامتين سلجما [٢]
الحثّ على أخذ القليل عند تعذّر الكثير
خذ ما طف لك و استطف، خذ ما قطع البطحاء، خذ من جذع ما أعطاك صيدك لا تحرمه الجحش لما بذل الاعيار [٣] .
الحثّ على إعطاء القليل
قال اللّه تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [٤] و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: لا يمنعكم من معروف صغره. قال ابن عباس: من حقر حرم. قال:
ما استغرب الناس أفضالا و لا شهروا # من حاتم غير جود بالذي يجد
و قال عبد اللّه بن جعفر: لا تستح من إعطاء القليل فإن المنع أقل منه. و قال البحتري:
لا تحقرنّ صغير الخير تفعله # فقد يروي غليل الحائم الثمد [٥]
و قيل: زوج من عود خير من قعود.
من خيّر فتلطّف في الاختيار
مدح مطيع بن إياس معن بن زائدة، فقال له: إن شئت أجزناك و إن شئت مدحناك، فاستحيا مطيع أن يختار الثواب و كره العدول إلى المدح، فقال:
ثناء من أمير خير كسب # لصاحب مغنم و أخي ثراء
و لكنّ الزمان أطال دائي # و ما مثل الدراهم من دواء
و قال بعض الخلفاء لعاف: احتكم، فقال: يد أمير المؤمنين أبسط من لساني بالمسألة فأجزل له العطية.
قال المتنبي:
ما لنا في النّدى عليك اختيار # كلّ ما يمنح الشريف شريف
[١] الأنوق و الأنؤق (بالهمزة) و نياق، جمع ناقة و هي الأنثى من الإبل المرتفعة و بيض الأنوق أكثر.
[٢] رامة: اسم موضع و يكثرون من تثنيته في الشعر-السلجم: الطويل من الخيل و من النصال و من الرجال و السلجم أيضا المسنّ الشديد.
[٣] الأعيار: جمع عير و هو الحمار الأهلي أو الوحشي، و غلب على الوحشيّ.
[٤] القرآن الكريم: الزلزال/٧.
[٥] الحائم: العطشان-الثمد: الماء القليل الذي لا يدوم.