محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٣٢ - التّرغيب في سؤال الصّباح دون القباح
إعطاء الملحّ للتبرّم به
قال أعرابي لمعاوية و قد أضجره: قد تحلب الناقة العلبة و هي ضجور، فقال معاوية:
و قد تكسر الإناء و تدق أنف حالبها، فقال الأعرابي: و قد تثني أهلها رقبتها فتدرّ لبنها، فضحك و أعطاه.
استماح أعرابي خالد بن عبد اللّه فألحف و أبرم، فقال خالد: أعطوه بدرة يدخلها في حر أمه، فقال: و أخرى لاستها يا سيدي لا تبقى فارغة. فضحك، و قال: أخرى لاستها.
و سأل الأصمعي حاجة ألحّ فيها، فقال:
أرحني و استرح منّي فإني # ثقيل محملي ذرب لساني [١]
و قال أبو سعيد الموسوي في معناه:
أزح علّتي و اصرف إلى النّار طلعتي # فما كلّ وقت رؤيتي بمري [٢]
الحثّ على ترك تجاوز الحدّ في السؤال
من سأل فوق قدره فقد استوجب الردّ، و من لم يرجّ إلا ما هو مستحق له فإلى الرفد. قيل: إذا أردت أن تطاع فاسأل ما يستطاع، قال: الشاعر:
إنّك إن كلفتني ما لم أطق # ساك ما سرّك منّي من خلق [٣]
التّرغيب في سؤال السّلاطين
قيل: مسألة الرجل السلطان و مسألة الابن أباه لا تنقصه و لا تشينه. و قال شاعر:
و إذا ابتليت ببذل وجهك سائلا # فابذله للمتكرّم المفضال
التّرغيب في سؤال الصّباح دون القباح
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: اعتمد لحوائجك الصّباح الوجوه، فإن حسن الصورة أول نعمة تلقاك من الرجل. و روي عنه عليه الصلاة و السلام: أطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه.
و سئل ابن عائشة عن هذا الحديث، فقال: معناه أطلبوها من الوجوه التي تحسن بالإنسان أن يطلب منها. و نظر ابن عبّاس إلى رجل حسن الوجه، فقال:
أنت شرط النبيّ إذ قال يوما # أطلبوا الخير من حسّان الوجوه
و قال البحتري:
من حسّن اللّه وجهه و سجا # ياه و أعطاه كلّف الكلفا [٤]
[١] ذرب لساني: شتّام-محملي: علاقة السيف.
[٢] بمري: المريّ النّاقة الكثيرة اللبن، جمع مرايا و المريّ العرق الذي يمتلئ و يدرّ اللبن.
[٣] ساك: مخفف ساءك.
[٤] كلّفه بالشيء: أمره بفعله-الكلف: الولوع بالشيء.