محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٠٥ - راحة القنع و عزّته
و قال أبو العتاهية:
إذا القوت تأتّى لك و الـ # صحّة و الأمن
و أصبحت أخا حزن # فلا فارقك الحزن
و قال آخر:
إذا كان لي قوت بيومي و صحّة # فلا حال أرجو بعدها أن أنالها
و لم أتتبع رتبة إن بلغتها # أخاف بعزل أو بموت زوالها
ذمّ النفس لخوف الفقر و الطمع
قيل: : أهلك الناس حب الفخر و خوف الفقر.
و قال أبو العتاهية:
رأيت النفس تحقر ما لديها # و تطلب كل ممتنع عليها
فإن طاوعت حرصك كنت عبدا # لكلّ دنيئة تدعو إليها [١]
تبكيت شيخ يعمر دنياه
قال محمود:
يا عامر الدنيا على شيبه # فيك أعاجيب لمن يعجب
ما عذر من يعمر بنيانه # و عمره مستهدم يخرب [٢]
و قال آخر:
عجبت لتغريسي نوى النخل بعد ما # طلعت على الستين أو كدت أفعل
و أدركت ملء الأرض ناسا فأصبحوا # كأهل ديار أدلجوا فتحمّلوا [٣]
و ما الناس إلا رفقة قد تحملت # و أخرى تقضي حاجها ثم ترحل
راحة القنع و عزّته
قال الحسن في قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيََاةً طَيِّبَةً [٤] ، أنها القناعة. و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: الزهد في الدنيا يريح البدن و الرغبة فيها تكثر الهم و الحزن. و قيل لمحمد بن واسع:
أوصني، فقال: كن ملكا في الدنيا ملكا في الآخرة. فقال آجله. و كيف لي هذا، قال:
ازهد في الدنيا و اقنع.
و قال بزرجمهر: القنع عزيز في عاجله مثاب في آجله، و قال محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه: ما كرمت على أحد نفسه إلا هانت عليه دنياه. من حصّن شهوته صان قدره.
[١] حرصك: تمسكك بالشيء.
[٢] مستهدم: يداخله الخراب.
[٣] أدلجوا: ساروا ليلا.
[٤] القرآن الكريم: النّحل/٩٧.