محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٩٤ - معاتبة الدهر لتقديم جاهل و تأخير فاضل
و قيل: أبت الدنيا أن تعطي أحدا ما يستحقه، إمّا محطوط عن درجته أو مرفوع فوق قدره. و قيل لأفلاطون: لم لا يجتمع العلم و المال، فقال لعزّة الكمال، قال:
و من الدليل على القضاء و كونه # بؤس اللبيب و طيب عيش الأحمق
و قيل: من أعطاه اللّه عقلا احتسب عليه من الرزق، و قيل لو جعل اللّه المال للعقلاء مات الجهال، فلما جعله في أيدي الجهال استقلّهم العقلاء و استنزلوهم عنه بلطفهم. و قد تقدم في باب العقل شيء من هذا.
علّة ميل الدنيا إلى الأنذال
قال سعيد بن المسيب رضي اللّه عنه: الدنيا نذلة تميل إلى الأنذال. و قال حكيم: إذا أردت أن تزهد في الدنيا فانظر عند من هي. و قال النظّام: مما يدل على لؤم الذهب و الفضة كثرة كونهما عند اللئام فالشيء يصير إلى شكله و من هنا أخذ المتنبي قوله:
و شبه الشيء منجذب إليه # و أشبهنا بدنيانا الطّغام [١]
و قال حسان:
المال يغشى رجالا لا طباع لهم # كالسيل يغشى أصول الدندن البالي [٢]
و قال أبو تمّام:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى # فالسّيل حرب للمكان العالي
و قال ابن الرومي:
رأيت الدهر يرفع كلّ وغد # و يخفض كلّ ذي رتب شريفه [٣]
كمثل البحر يرسب فيه حيّ # و لا ينفكّ تطفو فيه جيفة [٤]
و كالميزان يخفض كلّ واف # و يرفع كلّ ذي زنة خفيفه
معاتبة الدهر لتقديم جاهل و تأخير فاضل
و قال جحظة البرمكي:
غلط الدهر بما أعطاكم # و فعال الدهر جهل و غلط
و قال الموسوي:
و مما يحلّل ذمّ الزما # ن إقصاؤه الأفضلين الخيارا
[١] الطغام: أرذال الناس.
[٢] الدندن: النبات الأسود لتقادم عهده.
[٣] و في رواية: كل ذي زنة في موضع رتب.
[٤] و في رواية: درّ في موضع حيّ.