محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٢٨ - تفضيل الجدّ على الجدّ
نفيس. و قيل لإسحاق الموصلي: قد خبرت فلانا فكيف هو، فقال: ليس في الكمال كما تهوى و لا في التخلف كما تخشى.
ذمّ بلوغ النهاية.
عند التمام يكون النقصان و بقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الوقعة.
قال شاعر:
إذا تم أمر بدا نقصه # توقّع زوالا إذا قيل تمّ
و في بعض الأدعية: صرف اللّه عنك التمام. و قال المأمون لأحمد بن أبي خالد و هو يخلف الحسن بن سهل: رأيت أن استوزرك، فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني و يجعل بيني و بين الغاية منزلة يرجوني إليها المولى و يخشاني لها العدو، فما بعد الغايات إلا الآفات. و ما يضاد هذا الباب ما كتب القاسم بن عبد اللّه الكرخي: و لي فيما جدّد اللّه من هذه النعمة للوزير من بلوغ النهاية ما أستديمها به، قال: انتزعته من كتاب اللّه تعالى في قوله اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [١] و قد علم أن دين اللّه بعد نزول هذه الآية لم يزل ناميا عاليا على كل دين، و أنه إنما ضرب بجراءته و قهر الأمم شرقا و غربا بعد كماله.
(٢) و ممّا جاء في الجدّ [٢]
تفضيل الجدّ على الجدّ
قيل: جدّك لا كدّك، عارك بجد أودع. و قيل: لا جد إلاّ ما أقعص عنك. الجدّ أجدى و الجد أكدى. و قيل: مدّ من حظ خير من صاع من عقل وجد.
قال البديهي:
ليس يجدي عليك سعيّ بجدّ # لم تيسّر له ملاقاة جدّ [٣]
و قيل:
الحظّ يأتي من لا يؤمه # ليس بالكدّ بلوغ الراغب
و قال آخر:
الجدّ أنهض بالفتى من سعيه # فانهض بجدّ في الحوادث أو دع
[١] القرآن الكريم: المائدة/٤.
[٢] الجد (بفتح الجيم) : الحظ.
[٣] ليس يجدي: ليس ينفع-يقول: إن السعي الجاد لا نجح فيه و لا نفع، و الجدّ (بالكسر) : الاجتهاد و الدأب بغير الجدّ أي الحظّ.