محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤٦٩ - التهديد بالهجاء
و لما قال إبراهيم بن هرمة:
لأمنع العود بالفصال و لا # أبتاع إلاّ قريبة الأجل [١]
قال المزبد: صدق ابن الخبيثة فإنه يشتري شاة الأضحية فيذبحها من ساعته. و تبجّح رجل فقال: إن أبي ممّن قال فيهم شاعر:
يقوم القعود إذا أقبلوا
فقال له: صدقت، لأنه كان بين يديه حمل شوك.
من قصد مدحا فاتفق منه هجو
عيب على جرير قوله:
تعرضت تيم لي عمدا لأهجوها # كما تعرّض لإست الخارئ المدر [٢]
فقيل: جعل نفسه است الخارئ و لو هجى بهذا لكان كثيرا. و قد تقدم في هذا المعنى باب في كتاب الشعر.
التهديد بالهجاء
لما هجا جرير حنيفة بقوله:
إن اليمامة أضحت لا أنيس بها # إلا حنيفة تفسو في مناحيها
لقيه عطية بن دعبل الحنفي، فقال يا جرير: إنك قد عرفت نصرة الفخم و إن لي سيفا يختصم الجزور فو اللّه لئن عدت لهجاء قومي لأسيلنه منك بشرطين، فقال: لا أنطق بعد هذا فاعف هذه المرة.
و تهدد الفرزدق رجلا بالهجاء فقال له: قل و اصدق فقال: إذا أقول خيرا.
قال أبو القاسم بن أبي العلاء:
دع الفضائح تخفى # و الليث في الغيل رابض
و له:
لا تخرجني من خيسي فتنكرني # و تؤذي النّاس أحياء و أمواتا [٣]
كأنني بك قد ضيّعت موعظتي # و جئتني نادما و الأمر قد فاتا
[١] العود: المسن من الجمال و الشاء-الفصال: الفطام.
[٢] المدر: الطين اللزج الذي لا يخالطه رمل.
[٣] خيسي: خيري.