محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤٠ - مدح الشكّ و سوء الظنّ
بالتوسّم. و قال عليه الصلاة و السلام: اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه.
و كان عمر (رضي اللّه) عنه يقال له المحدّث لصحة ظنّه.
و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: إن يكن في هذه الأمة محدّث فهو عمر. و يقال: فلان ألمعيّ، و قيل: ما تزاحمت الظنون على أمر مستور إلا كشفته.
قال الشاعر:
إذا ما ظنّ أعرض أو أصابا
و قال:
نجيح مليح أخو مارق # يكاد يخبر بالغائب
و قال البحتري:
و إذا صحّت الرويّة يوما # فسواء ظنّ امرئ و عيانه [١]
و قال الموسوي:
و لا علم لي بالغيب إلا طليعة # من الحزم لا يخفى عليها المغيب
مدح الشكّ و سوء الظنّ
قيل: بوحشة الشكّ ينال أنس اليقين. و قيل: عليك بسوء الظنّ، فإن أصاب فالحزم، و إن أخطأ فالسلامة.
قال الشاعر:
و حسن الظنّ عجز في أمور # و سوء الظنّ يأخذ باليقين
و قيل:
من أطال الركون قلّ ركونه [٢]
و قول اللّه تعالى: إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ [٣] دلالة على أن جلّه صواب. و قال عبد الملك: فرق ما بين عمر و عثمان إنّ عمر أساء ظنّه فاحكم أمره و عثمان أحسن ظنّه فأهمل أمره.
و قيل لبعضهم: أسأت الظنّ، فقال: أن الدنيا لما امتلأت مكاره وجب على العاقل أن يملأها حذرا، و قال أبو محمد الخازن:
و ما شكّي و إن أكثرت إلا # محاماة على الشيء اليقين [٤]
[١] الرويّة: طول التأمّل و التفكّر-العيان: المشاهدة.
[٢] الركون: الاطمئنان إلى الواقع و عدم التحرّي عن الحقائق و الوقائع.
[٣] القرآن الكريم: الحجرات/١٢.
[٤] اعتبر الشاعر الشكّ واجبا لحماية اليقين و صون دواعي الإيمان و التثبّت.