محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٧٩ - الحكم بين فاضل و نذل
ذمّ من يتكلّف إدراك ما لا يدركه
ذكران قصارا كان يعمل على شاطئ نهر و كان يرى كركيا يجيء كلّ يوم فيلتقط من الحمأة دودا و يقتصر في القوت عليه. فرأى يوما بازيا قد ارتفع في الجو فاصطاد حماما فأكل منها بعضا و ترك في موضعه البعض و طار فتفكر الكركي في نفسه. و قال:
مالي لا أصطاد الطيور كما يصطاد و أنا أكبر جسما منه. فارتفع في الجو و انقض على الحمام، فأخطأه فسقط في الحمأة فتلطخ ريشه و لم يمكنه أن يطير فأخذه القصار و حمله إلى منزله فاستقبله رجل فقال: ما هذا قال: كركي يتصقر. و كان المتنبي ألم بهذا المعنى في قوله:
و من جهلت نفسه قدره # رأى غيره منه ما لا يرى
و في المثل:
-أطرق كرى أن النعام في القرى و نحو ذلك قول يربوع:
-بخست بيربوع لتدرك دارما # ضلالا لمن منّاك تلك الأمانيا
و قد تقدّم ذلك.
الحكم بين فاضل و نذل
سئل أبو العيناء عن رجلين فقال: و ما يستوى البحران هذا عذب فرات و هذا ملح أجاج. و سئل أبو ثور عن حماد بن زيد بن درهم و حماد بن سلمة بن دينار فقال: بينهما في القدر ما بين جديهما في الصرف، و قال أعرابي: فلان يدعي الفضل على فلان و لو وقع في ضحضاح معروفة لغرق شاعر. و هل يقاس ضياء الشمس بالقمر! قال محمد بن منادر:
و من يجعل الوجه مثل القفا # و عالية الرّمح كالسّافل
و في المثل:
مذكية تقاس بالجذاع [١]
و فيه: ليس قطا مثل قطي و قال سبيع التميميّ:
أسوّيك بالمرء الذي لست مثله # و كيف يسوّى صالح القوم بالرّذل
[١] المذكية من الخيل: ما تمّت سنّه و كملت قوّته، لذا قيل في المثل جري المذكيات غلاب-الجذع:
جمع جذع، الصغير من البهائم.