محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٠٦ - حمد المداجاة طلبا للفرصة
النهي عن استصغار العدوّ
قيل: لا تستصغرنّ أمر عدوك إذا جاريته لأنك إن ظفرت به لم تحمد و إن ظفر بك لم تعذر.
الضعيف المحترس من العدوّ القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالعدوّ الضعيف.
و قيل: العدو المحتقر ربما اشتد كالغصن النضر بما صار شوكا، و قيل: لا تأمنن العدوّ الضعيف إن تورطك فالرمح قد يقتل به و إن عدم السنان و الزجّ [١] ، قال شاعر:
لا تحقّرني فربّما نفذت # في ردم يأجوج جيلة الجرذ [٢]
قال الموسوي الفيل يضجر و هو أعظم ما رأيت من البعوض. و في المثل إذا عز أخوك فهن و إذا لم تغلب فاخطب. لا يتقى العدو و القوي بمثل الخضوع و اللين فمثل ذلك كمثل الريح العاصف، تقلع الأشجار العظام لتأبّيها عليها، و يسلم منها النبات اللين لتمايله معها، قال سليمان بن وهب:
غرّك الدهر بما تهوى فهن # و إذا ما أخشن الدّهر فلن [٣]
لا تعاسره و خذ ميسوره # و تفنّن معه في كل فن [٤]
قال المأمون لأبي دلف: شد ما استحذيت للحسن بن رجاء. فقال: يا أمير المؤمنين ذلك بما وهبت له من القدرة و صحبه من حداثة الغرارة. و كانت الطاعة تعارض الانتصار منه و خفت أن يكون من قدرته ما يعنيك بي فلا أجد لذلك عوضا فسلمت قال ابن نباتة [٥] :
و إذا عجزت عن العدوّ فداره # و امزج له إن المزاج رفاق [٦]
فالنّار بالماء الذي هو ضدها # تعطي النضاج و طبعها الإحراق [٧]
حمد المداجاة طلبا للفرصة
قيل لابن القرية: ما الدهاء؟فقال: تجرع الغصة، و توقع الفرصة، و قيل: من تمام
[١] الزّج: حديدة في أسفل الرمح و يقابله السنان-زجّه بالرمح: طعنه.
[٢] يأجوج (و مأجوج) : سدّ عظيم جبّار زعم أنه من الحديد، و قد نسب بناؤه إلى الإسكندر بناه لحماية شعب اسمه يأجوج و مأجوج كان قد استنجد به. و قيل إنّ هذا السدّ هو حائط أو جدار الصين الأكبر. و يأجوج و مأجوج أيضا عدوان يهاجمان في آخر الأزمنة أتباع المسيح عليه السلام و قد ورد ذلك في القدس المقدّس.
[٣] أخشن الدهر: صار خشنا.
[٤] لا تعاسره: لا تلتوي عليه أو تعانده-الميسور منه: المتيسّر منه أو المتاح.
[٥] ابن نباتة: هو محمد المصري (١٢٨٧-١٣٦٦) من شعراء مصر. أقام بدمشق زمانا له ديوان سرج العيون في شرح ديوان ابن خلدون.
[٦] داره: الأمر من دارى يداري مداراة، أي لاطفه و خاتله-يدعو إلى مخاتلة العدو و مداراته مشبّها أثر ذلك في درء خطر العدوّ بأثر الماء في النّار للحدّ من إحراقها.
[٧] داره: الأمر من دارى يداري مداراة، أي لاطفه و خاتله-يدعو إلى مخاتلة العدو و مداراته مشبّها أثر ذلك في درء خطر العدوّ بأثر الماء في النّار للحدّ من إحراقها.