محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٩١ - من هرب خشية العتاب فاعتذر لذلك
أيها الأمير أن لا تقتلنا و نحن عطاش. فقال: اسقوهم، فلما شربوا قال: ناشدتك اللّه إن قتلت ضيفانك، قال: أحسنت فخلّى سبيلهم.
همّ الأزارقة [١] بقتل رجل فقال: أمهلوني لأركع فنزع ثوبه و اتزر و لبّى و أظهر الإحرام، فخلّوا سبيله لقوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُحِلُّوا شَعََائِرَ اَللََّهِ وَ لاَ اَلشَّهْرَ اَلْحَرََامَ [٢] .
و لما غشى أمير المؤمنين علي كرّم اللّه وجهه عمرو بن العاص طرح نفسه على الدابة و تلقاه بعورته. فأعرض عنه و قال: قبحك اللّه، و لما أتى عمر رضي اللّه عنه بالهرمزان [٣] أراد قتله فاستسقى ماء فأتى بقدح فامسكه بيده فاضطرب و قال: لا تقتلني حتى أشرب هذا الماء، فقال: نعم، فألقى القدح من يده، فأمر عمر رضي اللّه عنه بأن يقتل فقال: أ و لم تؤمني و قلت لا أقتلك حتى تشرب هذا الماء؟فقال عمر: قاتله اللّه أخذ أمانا و لم نشعر به.
مستعف ذكر فرط خوفه من الوعيد
قال مروان [٤] بن أبي حفصة
أبيت و جنبي لا يلائم مضجعا # إذا ما اطمأنّت بالجنوب المضاجع
قال سلم الخاسر:
لقد أتتني من المهديّ معتبة # تظلّ من خوفها الأحشاء تضطرب
قال أبو تمّام:
أتاني عائر الأنباء تسري # عقاربه بداهية نآد [٥]
فيا خبرا كأنّ القلب أمسى # يجرّ به على شوك القتاد [٦]
قال البحتري:
عذيري من الأيام رقّقن مشربي # و لقينني نحسا من الطير أشأما
و ألبسنني سخط امرئ بتّ موهنا # أرى سخطه ليلا مع الليل مظلما [٧]
من هرب خشية العتاب فاعتذر لذلك
قال شاعر:
لئن أخفى حذاري عنك شخصي # لما أرسلت من كفّي خيلك
[١] الأزارقة: فرقة من الخوارج.
[٢] القرآن الكريم: المائدة/٢.
[٣] الهرمزان: من أمراء الجيش الفارسي في معركة القادسيّة ١٦ هـ (٦٣٧ م) .
[٤] مروان بن أبي حفصة: [ (١٠٦-١٨٢) /٧٢٤-٧٩٨) ]شاعر مخضرم. امتاز بلغة صافية. مدح المهدي و الرشيد و له رثاء شهير في معن.
[٥] عائر الأنباء: هي التي يجهل ناقلها-الداهية النداء: الشديدة.
[٦] نثا الخبر: انتشر و ذاع-القتاد: شجر صلب له شوك كالإبر.
[٧] موهنا: وهنا، و الوهن من اللّيل: نحو منتصفه أو بعد ساعة منه.