محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٥٩ - هجاء من حجب تعريضا
ليس لي حاجة سوى الحمد و الشكر # فدعني أقرئك حسن الثناء
من ترك الزيارة لصعوبة الحجاب
أتى أبو الدرداء [١] رضي اللّه عنه باب معاوية فاستأذن عليه فلم يؤذن له فقال: من يغش [٢] سدة السلطان يقم و يقعد و من وجد بابا غلقا وجد إلى أخيه بابا فتحا. فعاد عنه و لم يدخل بعد ذلك إلى سلطان. قال محمد بن عمران:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه # على ما أرى حتى يخفّ قليلا
إذا لم نجد يوما إلى الإذن سلّما # وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
قال أبو سليمان الضرير: من أراد السلام ليس سواه فلما ذا يذلّ عند الحجاب؟
سأقعد في بيتي فإني أميره # و آخذ أمري مكرها باشدّه
فأبوابك اسددها عليّ بأسرها # فمثلي لا يرضى بهذا لعبده [٣]
و حجب بعض الهاشميين فرجع مغضبا فردّ فلم يرجع، و قال: ليس بعد الحجاب إلا العذاب، لأن اللّه تعالى يقول: كَلاََّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ `ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصََالُوا اَلْجَحِيمِ [٤] .
هجاء من حجب تعريضا:
و لم جئت مشتاقا على بعد شقّة # إلى غير مشتاق و لم ردّني بشر
و ما باله يأبى دخولي و قد رأى # خروجي من أبوابه و يدي صفر [٥]
قال الخوارزمي [٦] :
أيا عمرو رويدك من حجاب # فلست بذلك الرجل الجليل
و لا تبخل بهذا الوجه عنّا # فليس بذلك الوجه الجميل
[١] أبو الدرداء: عويمر بن مالك (ت ٣٢ هـ/٦٥٢ م) صحابي خزرجي أنصاري من رواة الحديث تولّى القضاء في دمشق.
[٢] يغش: يأت، غشي الأمر فلانا: غطّاه، و غشي فلانا بالسوط ضربه.
[٣] يندد الشاعر بأحكام الحجاب و سدّ الأبواب دون النّاس.
[٤] القرآن الكريم: المطففين/١٥، ١٦.
[٥] يدي صفر: خالية. يقال صفر اليدين أي فارغ اليدين-صفر الإناء: خلا.
[٦] الخوارزمي: هو أبو بكر الخوارزمي شاعر عالم من أئمة الكتّاب. ثقة في اللغة و معرفة الأنساب. ولد في خوارزم سنة ٣١٦ هـ (٩٢٨ م) . استقرّ في نيسابور و مات فيها سنة ٣٨٣ هـ (٩٩٣ م) له «الرسائل» و «ديوان الشعراء» .